مهاجرو "الربيع العربي" ينشدون الدفء والأمان في صقيع السويد

الكومبس – خاص : خلف جدران فندق، يُسمى " Eskilstuna Hotell" ويحمل أسم مدينة سويدية تقع إلى الغرب من العاصمة ستوكهولم، يعيش عشراتٌ من طالبي اللجوء من أجناس مختلفة، بإنتظار حسم قضاياهم، للحصول على إقامات في هذا البلد الذي وصلوا اليه في الأشهر الأخيرة. وهم يتخذون من الفندق سكناً مؤقتاً لهم، على حساب مصلحة الهجرةـ بعد أن امتلأت المباني السكنية التابعة لها باللاجئين

الكومبس – خاص : خلف جدران فندق، يُسمى " Eskilstuna Hotell" ويحمل أسم مدينة سويدية تقع إلى الغرب من العاصمة ستوكهولم، يعيش عشراتٌ من طالبي اللجوء من أجناس مختلفة، بإنتظار حسم قضاياهم، للحصول على إقامات في هذا البلد الذي وصلوا اليه في الأشهر الأخيرة. وهم يتخذون من الفندق سكناً مؤقتاً لهم، على حساب مصلحة الهجرةـ بعد أن امتلأت المباني السكنية التابعة لها باللاجئين. وبضمن القاطنين في الفندق، شباب وعوائل عربية، قدموا من بلدان مختلفة، مثل سوريا، تونس، ليبيا، فلسطين، العراق والمغرب. 

وعلى الرغم من أن أعمار معظمهم لا تتخطى العقد الثاني أو أوائل الثالث، إلا أن الناظر اليهم، يمكنه وبسهولة، تلمس مظاهر االقلق والتعب على وجوههم، خصوصا هذه الايام، حيث يحّل موسم البرد والظلام في هذا البلد الاسكندنافي البارد.

لكل واحد منهم، قصته والف سبب للهرب، لكن ما يوحدهم، حقيقة واحدة، هي أنهم هاربون من بلدان استبد بها الظلم، دولهم استعمرتها الانظمة الحاكمة منذ عقود، مضيّقة آمال العيش عليهم، وعندما جاء الربيع العربي وحصل الصدام بين من يريد الإبقاء على الماضي خوفا أو عن قناعة، ومن يريد التجديد والتغيير، وجد هؤلاء اللاجئون أنفسهم في أتون صراع مرير، بل وسط حرب حقيقية، فكانت النتيجة ان تركوا أوطانهم إلى مصير مجهول لا يعرفون فيه الى أين سينتهي بهم.

" الكومبس " مع اللاجئين في فندق إسكلستونا

DSC_0041.JPG

"الكومبس" زار فندق اسكلستونا، وحاول اللقاء بعدد من الشباب العرب المقيمين فيه، رغم تحفظ الكثيرين منهم، ورفضهم تصويرهم، وخوفهم من ذكر أسمائهم الحقيقية، فكثيرين لازالوا في أجواء الخوف المسيطر على بلدانهم، ويخشون على أقاربهم الباقين هناك، لذلك فان ذكرنا الاسماء الحقيقية لن يكون ذات أهمية كبيرة أمام الظروف التي دفعت بهم الى الهجرة وترك بلدانهم.


لكل واحد منهم، قصته والف سبب للهرب، لكن ما يوحدهم، حقيقة واحدة، هي أنهم هاربون من بلدان استبد بها الظلم، دولهم استعمرتها الانظمة الحاكمة منذ عقود، 

يعيش في الفندق أطفال ونساء ورجال من مختلف بلدان العالم، بعض الشباب منهم، لم يكن هدفهم الوصول الى السويد تحديداً، بل الهرب من المظالم في بلدانهم، يقول " سمير" 25 عاما من سوريا: "لا أعرف كيف وصلت الى السويد، التي لم أزرها أو اي دولة أوربية يوما في حياتي، وجدت نفسي فيها، هكذا بدون أي تخطيط مسبق، واسعى للبقاء فيها، فأنا لا أريد غير الأمان، فالذي عشناه في سوريا لايوصف، ولم يكن ببالي ان أراه يوماً، كل شيء مُدمر".

سمير يرفض الحديث عن كيفية وصوله الى السويد، لكنه يؤكد أنه وصل عن طريق التهريب. 


 معظم الشباب الذين التقيناهم، يجهلون أبسط القوانين السويدية، ولا فكرة لهم عن طبيعة المجتمع السويدي، اذ ان اغلبهم لم يزر اوروبا سابقاً

معظم الشباب الذين التقيناهم، يجهلون أبسط القوانين السويدية، ولا فكرة لهم عن طبيعة المجتمع السويدي، اذ ان اغلبهم لم يزر اوروبا سابقاً، لذلك فهم يعتقدون ان العنف الذي تعرضوا له سبب أكثر من كافي للبقاء في السويد، وكأن الأمر بهذه البساطة! حتى أنهم يستغربون من الأجراءات الروتينية التي تتخذها سلطات الهجرة، فهم مُحمّلون بانطباع ان كل مَن يصل السويد، يحصل على الإقامة، ورغد العيش!!

لهؤلاء الحق في التنقل بحرية داخل السويد، وكثير منهم يشعر بالانبهار عندما يرى النظام سائدا في كل مفاصل المجتمع. يقول أنيس وهو اسم وهمي لشاب تونسي يبلغ من العمر 29 عاما: "اعجبتني السويد، فكل شيء يسير بنظام وبدقة متناهية، حتى ان طريقة تعامل الموظفين معنا لطيفة، ولا أعرف ما هي امكانية البقاء في هذا البلد، هناك موظفين من دائرة الهجرة يلتقون بنا باستمرار لشرح الاجراءات المقبلة، كما خصصوا لنا محاميا للدفاع عن حقنا".

واللافت ان اغلب الشباب المهاجرين، هم من بلدان "الربيع العربي"، الذين عاشوا الثورة وتداعياتها، وسرقة بعضها من قبل قوى متشددة. كثيرون عبروا عن يأسهم وشعورهم بالاحباط من النتائج التي آلت اليها تلك الثورات. وتقول سمر، وهي سيدة سورية في العقد الرابع من عمرها: " الجميع يقول في سوريا إنه يدافع عن الوطن، لكن الواقع هو ان كل الاطراف تساهم بشكل او بآخر في تدمير ما تبقى من سوريا".

ماالذي دفع بهم الى الهجرة؟

الملاحقات السياسية، والظلم الاجتماعي، وفرض نمط معيشة وفق تصور ديني معين، وعدم الشعور بالامان، والبحث عن حياة مستقرة، كلها اسباب دفعت بهؤلاء الى ترك بلدانهم، وتحمل صعوبات كثيرة، كادت أن تودي بحياة بعضهم، لكن الجميع يتفق انه لم يعد هناك متسعا للحياة في بلدانهم، والموضوع يستحق المجازفة.

شباب سوريا اللاجئون، هم الأكثر حضوراً، والأسباب معروفة. فسوريا تعيش أصعب ظرف على الاطلاق، وبعد أن طال العنف والقتل والدمار أغلب المدن تقريبا، لم يجد السوريين، خصوصا الشباب منهم، طريقا غير الهرب الى بلدان اللجوء.

وبسبب تلك الأوضاع، فان دائرة الهجرة السويدية تمنح أكثريتهم عدة أنواع من الإقامات، بعضها دائمي، والبعض الاخر مؤقت، لحين معرفة ما ستسفر عنه الأوضاع فيها. فالمعروف ان كثيرين ممن يحصلون على اقامات مؤقتة، يجري ترحيلهم لاحقا، بعد استقرار الاوضاع في بلدانهم، كما جرى للبوسنيين، ومثلما يجري حاليا لعدة الاف من العراقيين.

تقول سمر، التي وصلت برفقة إبنتها البالغة من العمر 12 عاماً، وتركت زوجها وإبنها البالغ من المر 8 سنوات في تركيا: " أجهل حتى الان، هل سأحصل على إقامة دائمية، تمكنني من سحب افراد عائلتي الى السويد؟ لا أعلم هل بمجرد الحصول على إقامة سأتمكن من لم شملهم، أم يجب أن انتظر عدة سنوات أخرى؟ ". أسئلة كثيرة تدور في اذهانهم، تزيدهم الشعور بالارهاق، وهم الذين يعانون اساسا من هول الصدمة التي مروا بها.

لكن يكاد الناظر الى السوريين، يتلمس السكينة على وجوههم، بعد التطمينات التي حصلوا عليها من دائرة الهجرة السويدية، فيما يبدو الشباب الاخرين، قلقين من امرهم، فالمفروض ان بلدانا مثل تونس وليبيا التي لا تشهد نزاعا كالموجود في سوريا، يعيش شبابها بشكل افضل، لكن هل ذلك صحيح؟ يجيب الشباب بـ "لا" قوية. 


 يكاد الناظر الى السوريين، يتلمس السكينة على وجوههم، بعد التطمينات التي حصلوا عليها من دائرة الهجرة السويدية، فيما يبدو الشباب الاخرين، قلقين من امرهم.

شاب فلسطيني اسمه وديع يبلغ من العمر 31 عاما، قال لـ " الكومبس " إنه عاش مع عائلته في سوريا، وأضطر الى تركها بسبب القتال الدائر هناك. يقول : " انا قلق للغاية، فالسويد بحسب ما سمعت لا تمنح الاقامات للفلسطينيين، وانا الذي حُرمت من أن يكون لي وطناً، وشُردت من البلد الذي عشت فيه، يبدو انني مقبل على رحل تشرد جديدة".

احد الشباب المغاربة، فقد كل ما يملك من ملابس اثناء رحلته، حيث اوعز اليه بترك حقيبته من قبل احد موظفي دائرة الهجرة في مركز من مراكز المهاجرين، بهدف حملها اليه بعدئذ، لكن ذلك لم يتحقق. ويبدو ان الشاب المغربي العشريني، لا يحمل هدفا معينا من وراء هجرته، الا انه ومثل غالبية الشباب، يرغب في السفر الى الغرب والاستزادة مما فيه من تطور، وربما يحصل، مستقبلاً، على عمل، يعزز به وضعه الأقتصادي، ويساعد عائلته في المغرب.

يقول الشاب المغربي، الذي سمى نفسه " محمود" مخاطباً صديقه " ألم تزرالمغرب، وترى ما فيها من جمال؟ أنا لن اخسر شيئا لو لم احصل على إقامة".

هذا واقع حال بعض اللاجئين، يعكس حالات الآف أخرى منهم، أصبحوا مشردين بسبب قمع الأنظمة الشمولية في بلدانهم من جهة، وعنف الجماعات التي تتدعي إنها ثورية جاءت من أجل التغيير. فالى متى يبقى الغرب حلماً لشعوبنا وشبابنا؟ ومتى تكّف الحكومات والفرق الثورية عن دفع الناس الى مهالك التهريب، وإستجداء الحرية والأمان؟

تحقيق: نزار عسكر

للتعليق وإبداء الرأي، أنقر على زر " تعليق جديد " في الأسفل.

DSC_0038.JPG

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.