ناهد ميخا: بعد 18 شهراً في الحجز .. الشرطة تفشل في ترحيله .. وبغداد ترفض استقباله

الكومبس/قضية في رسالة: وردت إلى “الكومبس” رسالة من طالب لجوء عراقي، محتجز من قبل سلطات الهجرة السويدية، داخل بناية مصلحة الهجرة في منطقة ماشتا، بمدينة ستوكهولم، يناشد عبرها الحكومة السويدية إطلاق سراحه ومنحه حق الإقامة الدائمة، بعد عجزها كلياً عن إعادته إلى بلده طوال 13 سنة، ورفض السلطات العراقية ذاتها استقباله بمطار بغداد، لا سيما أن مدة احتجازه قانوناً، انتهت منذ 6 أشهر، كما أنه لم يرتكب أثناء تواجده في السويد، أية جرائم أو مخالفات قانونية تستدعي اعتقاله.

نص الرسالة:

“أدعى ناهد رمزي ميخا، عراقي الجنسية، من مواليد 1976، أقطن مدينة سودرتاليا.

وصلت السويد سنة 2007، متقدماً بأوراقي وطلب لجوئي إلى مصلحة الهجرة. بعد ثلاث سنوات من الانتظار، صدر في حقي قرار يقضي برفض قضيتي وترحيلي. أعلنت احتجاجي بدعوى تردي الأوضاع الأمنية في العراق، إلا أن مسؤول قضيتي تمسك بموقفه، مدعياً أن بإمكاني تغيير سكني في العراق، والانتقال الى إقليم كوردستان العراق فهو آمن، ويمكنني الذهاب للعيش فيه، فأوضحت له أن دخول الإقليم المذكور يتطلب أولاً حصولي على كفيل، الأمر الذي يستحيل على مصلحة الهجرة أو غيرها توفيره لي، لكن جميع محاولاتي لإقناعه بائت بالفشل.

بعد خمسة أشهر وكأنما جاءت الحادثة مؤكدة لكلامي، قام مسلحون، بتفجير أنفسهم داخل كنيسة “سيدة النجاة” للسريان الكاثوليك وسط بغداد.

أرسلت أوراقي هذه المرة إلى المحكمة الأوروبية، طالباً منهم مساعدتي، غير أن قرارات الرفض ما انفكت تردني من مصلحة الهجرة تباعاً، رغم كل التوصيات الواردة إليها من المحكمة المذكورة.

طلب لجوء جديد .. دون فائدة

سنة 2013، إثر انقضاء 4 سنوات كاملة على صدور قراري الأول بالرفض والترحيل، عدت أتقدم بطلب لجوء ثاني صحبة أوراق جديدة. عندما قابلت الموظف المسؤول، فوجئت به يسألني عن سبب اختفائي منذ سنة 2010، على الرغم من صدور قرار يقضي بترحيلي، فأريته تصريح الإقامة المؤقتة، لافتاً انتباهه إلى أني كنت حريصاً على القدوم إلى هذا المقر بالذات لتجديد صلاحيته كل ثلاثة أشهر، قبل وبعد صدور القرار، إلى جانب أن المساعدات المالية من مصلحة الهجرة لم تتوقف شهراً واحداً عن التدفق في بطاقتي المصرفية “إيكا”، الأمر الذي يؤكد بطلان ادعاءه بما لا يقبل الجدل، إلا أنه أكتفي بإبداء استغرابه دون تقديم أية مبررات.

سنة 2014، أعلن “تنظيم الدولة الإسلامية” عن وجوده بقوة في العراق وأصبح يعيث فساداً بشتى أرجائها، لكن تلك التطورات لم تمنع مسؤول قضيتي مجدداً من اتخاذ ذات القرار بحذافيره، متعذراً هذه المرة، بإمكانية ترحيلي إلى مدينة بغداد أو البصرة، اللتان على الرغم من كل الاضطرابات الأمنية الموجودة فيهما لا تزالان خارج سيطرة الإرهابيين، كذلك أخبرني أن دخول تنظيم الدولة لإحدى المدينتين لدى تواجدي بها، سيعزز قضية لجوئي مستقبلاً بشكل كبير، فلم أعرف، هل كان يريد بهذا طمئنتي لأعود إلى العراق، أم جعلي أتمنى سيطرة الإرهابيين على بقية مدنها لأبقى في السويد؟

سنة 2015، حالفني التوفيق بالحصول على وظيفة في إحدى المطاعم، ليكون أول إجراء رسمي يصدر عن مصلحة الهجرة، قطع كافة المساعدات المالية عني. لكن المحامي بشرني أن استمراري في العمل مدة 4 أشهر متواصلة، سيساعده كثيراً في سعيه لإسقاط بند الترحيل من قراري، غير أن الهجرة لم تمهلني طويلاً ورفضت طلب استئنافي الأول، ما دفع مسؤولي أن يقترح عليّ الرحيل إلى العراق ومحاولة إقناع مالك المطعم، الذي أعمل فيه حالياً، بإرسال عقد عمل لي هناك، أعود على إثره ثانية للسويد بصورة قانونية، فرفضت.

الشرطة حاولت استدراجي لترحيلي الى العراق

نتيجة هذا القرار، وصلني استدعاء رسمي إلى مركز الشرطة، حيث طالبوني بضرورة الإسراع في تجديد جواز السفر، لم أفهم في البداية مغزى الأمر، ظاناً أنه محض إجراء روتيني، ما شجع إحدى الشرطيات، على استغلال جهلي هذا، عارضة مساعدتي في إيجاد عمل ثابت فور حصولي على جواز سفر ساري الصلاحية، حتى أنها طلبت مني رقم هاتفي وباتت تتصل بي باستمرار، مستفسرة عن مدى تقدم الإجراءات. فلما استلمت جواز سفري الجديد وأبلغتها بالخبر، تنصلت من وعدها وادعت أنها عاجزة عن مساعدتي نتيجة عزم مصلحة الهجرة على ترحيلي في أقرب فرصة. هكذا، أدركت متأخراً أنها كانت تدفعني إلى استخراج جواز يمكن للشرطة استغلاله في تسفيري لاحقاً.

مضت السنوات على نفس الوتيرة، حتى حلت سنة 2018، بادئة بقدومها كبرى مشاكلي، حيث وصلتني رسالة من مصلحة الضرائب السويدية، تفيد عدم أحقيتي في الاستمرار بالعمل، إلا بعد حصولي على تصريح إقامة، أياً كان نوعها. ذهبت إلى مقر مصلحة الهجرة أملاً في منحي تصريح عمل، فما كدت أسلم بطاقة هويتي لموظف الاستعلامات، حتى فوجئت بسبع رجال شرطة ضخام يحيطون بي ويقتادوني عنوة إلى مركز شرطة سولنا. هناك، أخبرني المحقق أن احتجازي تم بناء على بلاغ من مصلحة الهجرة يتهمني بالاختفاء لدى صدور قرار يقضي بترحيلي سنة 2007، فاعترضت مؤكداً مراجعتي الهجرة منذ ذلك التاريخ عشرات المرات ولأسباب مختلفة، كما أني أعمل بصورة قانونية منذ ثلاث سنوات وأدفع ضرائبي بانتظام. إلا أن المحقق أمر بنقلي إلى مركز احتجاز تابع لمجلس الهجرة في بلدية ماشتا، يدعى (فورڤار ماشتا 2).

داخل مركز الاحتجاز، عرفت أني سأبقي قيد التحقيق مدة شهرين كاملين، يقرر المحقق في نهايتها، ما إذا كان سيطلق سراحي، أو يأمر بالتمديد. ثم أضافوا تهمة جديدة لي، حيث أبلغوني أن موظف الاستعلامات في مصلحة الهجرة قد تقدم بشكوى ضدي هذا الصباح، مدعياً افتعالي شجاراً معه، كما تواصلت الشرطة السويدية مع الشرطة الدولية (الإنتربول)، للتأكد من خلو سجلي الجنائي، على الرغم من علمها المسبق أني لم أغادر السويد أبداً.

في أحد الأيام، اقتادتني الشرطة إلى مقر السفارة العراقية، محاولين انتزاع موافقة منها لاستقبالي في بغداد، لكن السفير العراقي رفض الطلب بشكل قاطع. بيد أن ذلك لم يثنها لاحقاً، عن تحديد السابع عشر من مايو/أيار سنة 2018، موعداً رسمياً لترحيلي إلى العراق. كنت أبلغتهم مسبقاً عزمي على التقدم بطلب لجوء جديد في الثالث والعشرين من نفس الشهر، لكن الشرطة لم تمهلني وأجبرتني على المغادرة.

لما حطت بنا الطائرة في محطتنا قبل الأخيرة بمطار العاصمة الأردنية عمان، طلب مني أحد موظفي الأمن الأردني، توقيع إقرار خطي يؤكد أني عائد إلى بلادي برضاي، فرفضت، معلناً أني أحمل السلطات الأردنية مسؤولية أي مكروه يصيبني هناك.

في بغداد رفضوا استقبالي

صباح اليوم التالي، عندما وصلنا مطار بغداد، رفضت السلطات العراقية استقبالي كما توقعت. العجيب في الأمر، أن الشرطة السويدية ظلت تكابد لإقناع العراقيين أني قبلت الرحيل بملء إرادتي، فلما أنكرت ذلك، عادوا يؤكدون أني لم أغير رأيي إلا في الأردن حين رفضت التوقيع على الإقرار، ثم بدأوا يحاولون إثبات ادعاءاتهم عبر اتهامي بإثارة المشاكل مع مصلحة الهجرة. بعد سبع ساعات كاملة من الجدال العقيم، لم تجد الشرطة السويدية بداً من العودة بي مرة أخرى إلى ستوكهولم.

سألت أحد رجال الشرطة عن سبب تكلف مصلحة الهجرة عناء هذه الرحلة العبثية على الرغم من علمها المسبق بنتائجها، فأخبرني أنهم تصرفوا بناء على موافقة من إحدى السلطات العراقية وكان يفترض أن نجد شخصاً ما في استقبالنا بالمطار، غير أن الأمر لم يجر كما خططوا له.

لدى وصولنا ستوكهولم، أعادوني إلى مركز الاحتجاز ذاته، فنصحني المحامي الإسراع بتقديم طلب لجوء جديد كما اتفقنا سابقاً، إلا أني أبيت تنفيذ الأمر حتى يتم الإفراج عني أولاً.

لقد مضى على احتجازي اليوم أكثر من ثمانية عشر شهراً متواصلة، فأنا هنا منذ صباح يوم السادس عشر من يوليو/تموز سنة 2018، ما يعني أني تجاوزت الحد الأقصى الذي يقره القانون السويدي للاحتجاز بستة أشهر كاملة وفق ما أخبرني المحامي المسؤول عن ملف قضيتي، سيما أن ملفي الأمني يخلو من أية مخالفات قانونية، فيما لا تزال الشرطة السويدية المختصة، على الرغم من كل ما سبق، ترفض الإفراج عني، في محاولة صريحة منها للمماطلة، حتى تجد سبيلاً إلى ترحيلي.

الأدهى من ذلك، أن مصلحة الهجرة أيضاً، ترفض منحي أية مستندات رسمية تتعلق بالأحداث السابقة، كأني بها تخفي ارتكابها مخالفة قانونية ما في حقي تخشي انكشافها، حتى أنها ما انفكت تجيبني عن جميع مراسلاتي مع مراكز الشرطة، لتحرمني بهذا، حق معرفة رد الشرطة الأصلي.

لذا، أناشد السلطات السويدية بسرعة الإفراج عني ومنحي حق الإقامة الدائمة، حتى يتسنى لي العودة إلى عملي مجدداً ومتابعة حياتي بصورة طبيعية، سيما أن محاولات ترحيلي بائت كلها بالفشل وأوضاع العراق الأمنية تزداد سوءاً”.

قسم التحقيقات – عمر سويدان

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تعليق واحد

من أطيب الأشخاص الي تعرفت عليهم بالسويد انت اخي ناهد.
من المؤسف بشدة ان تعامل بهذه الطريقة المزرية في بلد يتحدث عن الإنسانية ولايطبقها مع الفقراء وأصحاب القلوب الطيبة بل يمنحها لمن هم لايريدون الخير لهذا البلد ولا لشعبه. اتمنى من صميم قلبي ان يصل الموضوع إلى المعنيين حتى يتم الإفراج عنك لأنك لست بالمكان الصحيح. شكرآ جزيلآ لجريدة الكومبس على نشرها للحقائق التي تتعلق بمعاناة اللاجئين في السويد.