نسيان الاندماج.. تعقيباً على “ولكن”

Views : 496

التصنيف

الكومبس – مقالات الرأي: تكشف مقولة “قناع الاندماج المزيف” المطروحة في زاوية “ولكن” جانباً مهماً من التصور الجمعي لموضوعة “الاندماج”.

 الحجر الذي ترميه في بقعة مستقرة من الوعي “المهاجر” يبدو حاجة ملحة.

 “كيف تظهر أمام السويديين مندمجاً؟” هو جوهر جهد يبذله كثيرون على طريق “تعليمك” الاندماج.

 يغيب النقاش الجدي عن مفهوم الاندماج وآلياته وغاياته، وتحل مقولة “افعل” و”لا تفعل” أمام السويديين بديلاً سهلاً لنظهر كـ”أفراد مندمجين”.

الأمثلة في الحياة اليومية كثيرة. بعضها يصلح للتندّر، لكنه في حقيقته يعكس مرارة تصوراتنا الجمعية عن المجتمع الذي لجأنا إليه ونعيش فيه.

في ورشة نظمتها إحدى البلديات ودعت إليها جمعيات المجتمع المدني المهاجر لمناقشة آليات تحسين الاندماج، يقف شيخ سويدي من أصول عربية ويلقي خطبة بليغة عن ضرورة الاندماج وأهميته. وبعد انتهاء الورشة يُسرّ لأحد الحاضرين “إنهم لا يحبوننا ولا نحبهم”.

ينقسم المجتمع العربي المهاجر، بقديمه وجديده، إزاء موضوعة الاندماج انقساماً متطرفاً في الأعم والأغلب. قسم يحسب الاندماج ذوباناً، وآخر يحسب الانعزال اندماجاً. طرف يرى في المجتمع السويدي مثالية مدعاة، وآخر يرى فيه انحلالاً ممجوجاً. غير أن كلا الفريقين يتفقان سلوكياً في أن الاندماج هو أن “تظهر للسويديين أنك مندمج”، وكفى الله المهاجرين شر التفكير.

إن السلوك الجمعي الذي يعيش أفراده هذا التناقض سيتحول تلقائياً إلى سلوك منافق، شعروا بذلك أم لم يشعروا. بل إن هذا النفاق يتحول تدريجياً إلى سلوك مقبول لا عيب فيه.

ما تطرحه زاوية “ولكن” المشار إليها عن ضرورة فهم قيم المجتمع السويدي يفتح باب النقاش الصحي عن ماهية هذه القيم، لا من حيث مدحها أو ذمها، بل من حيث معرفتها وتفكيكها وخلق نقاش مجتمعي حولها.

ما يجري في أوروبا اليوم هو في جوهره صراع قيم بين الانفتاح والانغلاق، بين الليبرالية والقومية، بين التعددية والأحادية، وما الصراع السياسي إلا أحد تمثلات الصراع الأكبر. وإن لم نعرف، كمجموع، موقعنا والقيم التي يجب أن ندافع عنها فسنكون الضحية الأكبر لتغليب قيم الأحادية.

لا يجدي أن نتبنى قيماً من منطلق الغائية دون أن نؤمن بها. فلا أستطيع أن أدافع عن “الحرية” لأنها تخدمني في الدفاع عن هويتي مثلاً، في حين أرفض “الحرية” في موقف آخر. ولا أستطيع أن أحتج بـ”العلمانية” وأنا أواجه “الآخر” في حقي بممارسة شعائري الدينية وفي الوقت نفسه أعتبر العلمانية “شراً مستطيراً”. ولا أستطيع أن أكتب قصائد شعر في الديمقراطية السويدية وأنا غير مستعد لأن أسمع رأياً واحداً يخالفني.

رغم كل الجهود المقدرة في هذا المجال فإن المجتمع العربي في السويد، إن صحت التسمية، لم يبدأ بعد نقاشاً جدياً حول هذه المفاهيم، لا باعتبارها مفاهيم أكاديمية، بل قيماً نتعامل مع نتائجها كل يوم، وأهمها مفهوم الاندماج الذي تختزله وسائل إعلام سويدية اختزالاً مشوّهاً في قيمة “العمل” فقط، أو حتى في “اللغة”، أن تحصل على عمل فهذا يعني بالضرورة أنك اندمجت!

النقاش الجدي يتطلب حراكاً فاعلاً من مؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام الناطقة بالعربية، وقادة الرأي، والأفراد. وإن لم تكن هذه الروافع موجودة فعلى هذا المجتمع أن يخلقها ويفرزها.

هي ليست وصفة سحرية، ولا تنظيرياً أكاديمياً، بل عملية ديناميكية يحدد شروطها مدى إبداع هذا المجتمع وقدرته على فهم الواقع والتفاعل معه.

مفهوم “الهوية الثقافية” أحد المفاهيم التي يقترح الأستاذ محمود آغا في زاويته التمسك بها ونحن “نندمج” في المجتمع السويدي. غير أن المفهوم في حد ذاته يطرح إشكالية كبرى في تحديد هويةٍ غير متفق على معظم عناصرها، الإشكالية التي خلّفت مآسي ودماء ودماراً في دولنا التي أتينا منها. وكل هذا يجب أن يُطرح للنقاش، وحسناً تفعل زاوية “ولكن” دائماً في أن تثير الأسئلة حوله.

يرى هايدغر، أحد أشهر فلاسفة القرن العشرين، أن الفلسفة منذ أرسطو انشغلت بـ”نسيان الوجود” من حيث كانت تدعي أنها تنشغل بـ”الوجود”. و”نسيان الاندماج” هو أحد الاشتغالات الحقيقية لكثير ممن يعتقدون بأنهم يروجون للاندماج.

مهند أبو زيتون

صحافي مقيم في السويد

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.