‎اكرام الميت دفنه

الكومبس – مقالات الرأي: “‎إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، ‎صدق الله العظيم.

‎الدلالة الأعمق لهذه الآية حضارياً وثقافياً أن البشر هم صانعو مصائرهم لا يخضعون لحتميات قدرية بحيث يعودون ازائها ضحايا.

‎في مطلع القرن العشرين كانت المعرفة الإنسانية تتضاعف كل مائة عام تقريباً، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبحت المعرفة الإنسانية تتضاعف كل 25 سنة وفي نهاية عام 2016 أصبحت المعرفة الإنسانية تتضاعف كل 18 ساعة بحسب الشركة العملاقة العلمية على وجه الأرض IBM.

‎شيء مخيف ومرعب، والاكثر خوفا هو ان امتنا نائمة و محنطة وان لم تخرج من هذه الحالة سريعاً سوف تخرج من التاريخ والجغرافيا معا. ‎ان لم تستفق وتبدأ خطاً جديداً ونهجاً جديداً ومساراً جديداً فهي إلى زوال حتمي وكما قال العلامة ابن خلدون اي أن تعكس المسار ‎مسارات هذه الامة مدمرة مميتة الغائية اعدامية افنائية وعلى جميع المستويات.

‎سبعة وخمسون دولة اسلامية في العالم، متوسط نسبة الأمية فيها 30% ، وهذا رقم مخيف جدا وهذا ليس بجديد.

‎الإمبراطورية العثمانية سنة 1880  كانت نسبة المتعلمين فيها 2% وفي النهاية هذه الإمبراطورية قضت على نفسها بنفسها 57 دولة إسلامية في العالم ‎تملك فقط ستمائة جامعة للتعليم وتقع في أسفل سلم التصنيف العالمي في جودة التعليم ايضاً، بينما الولايات المتحدة الأمريكية تملك ما يقارب ألفي جامعة بمفردها:

‎حوالي مليار وثمانمائة مليون مسلم في القرن العشرين حصدوا فقط عشرة جوائز علمية من نوبل

‎بينما اليهود الذين لا يتجاوز عددهم 17 مليون حصدوا مائتي جائزة علمية ، أكثر من خمسين جائزة منها في الفيزياء، في نفس الفترة.

‎كيف تخاطب هذا الانسان الامي؟ كيف يمكن لك ان ترفع مستواه كيف يمكن ان تستثمره، ‎اسمع واحفظ الدرس الاختزالي العقيم والمفرط في السذاجة، يقولون لك هناك مؤامرات، والى اليوم عندما تفتح ملف النهضة والتحضر والإصلاح وتسمع نفس الجواب، مؤامرات من الداخل والخارج ، لا يسمحون لنا بذلك ، الحكام المستبدين الطغاة ، الصهاينة ، والصليبيون، الغرب، ‎طبعا هناك مؤامرات والدول لا تكف عن الصراع والتدافع ‎هذه حال البشرية على مدى التاريخ، لكن  ‎اتركوا التفسيرات الاعتذارية والاختزالية القدرية الجبرية.

‎الأفراد يمكن أن يعتريهم العجز وهذا طبيعي، أما الإمم فلا تعجز، ‎عقلية الاعتذار تساوي الانتحار نحن لا نريد الانتحار، نحن متشبثون بما وهبنا من حياة.

‎نحن غارقون في الفساد الأخلاقي لكننا لا نرى من الفساد الأخلاقي غير العلاقات الجنسية بين الشباب والشابات، أما الكذب والنفاق وعدم التزام المواعيد، النزاهة ، عدم الشفافية ، التعدي على حرمة الآخرين، أداء الأمانة ، انتهاك الحقوق والقوانين ، كبت الحريات، الظلم ، قتل الناس باسم الدين والرب حدث ولا حرج، هذه هي الاخلاق، ويقولون لك الغرب المنحط اخلاقيا بهذا المعنى الاختزالي وهذا الغرب سيزول ونحن البديل ، شيء مضحك مبكي.

‎امة محنطة منذ مئات السنين وأكثرها تحنطاً هو الفكر الديني التقليدي والذي يقول ان الدين يدير ويدبر كل شؤون الحياة على الإطلاق وهذه النظرة الشمولية خطيرة جداً.

‎لن نقبل بهذه الثقافة التي تودي بنا إلى الهلاك وهذه الحياة التي وهبناها سوف ننحاز إلى كل ما يعلي من شأنها وقيمها.

‎فإما ان نعيش منسجمين مع صيرورتها وعقلانيتها وحركتها الدائمة وإلا فقد وجبت الجنازة

‎وإكرام الميت دفنه.

 

كمال درويش

مقالات الرأي تعبر عن أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس

التعليقات

أضف تعليقاً