‎المهاجرون بين خطر العزلة وفوبيا الاندماج

‎ابدأ مقتبساً من كلام البابا فرنسيس: “الاندماج ليس فقط الترحيب بالمهاجرين، وإنما هو استقبال هؤلاء الناس ومحاولة دمجهم ليتعلموا اللغة وأن يجدوا الوظيفة والمكان الذي يعيشون فيه، يجب أن يكون هناك منظمات للاندماج، من المهم أن يجلبوا لنا ثقافة غنية وهم ايضا يحصلوا على ثقافتنا، وهنا يحصل تبادل ثقافي، الاحترام يزيل الخوف، والخوف لا يأتي فقط من المهاجرين وإنما من أولادهم الذين ولدوا هنا ولكنهم عزلوا بدل أن يندمجوا”. انتهى الإقتباس.
الاندماج هاجس تعيشه الأقليات العربية في أوروبا نظراً لاختلاف الثقافات والديانات والعادات، ‎النقطة المركزية هنا هي ما هو مفهوم الاندماج لدينا وهل هناك تباين بين ما تراه الدولة وما يراه المهاجر من هذا المفهوم.
‎وهنا سأتحدث عن السويد على اعتبار أننا نعيش هنا وايضاً لوجود بعض الاختلافات في الرؤى لدى دول الاتحاد الأوروبي التي استقبلت المهاجرين ونظرتها للأمور.
‎ان مفهوم الاندماج عند الدولة يتمظهر في سعيها من أجل انخراط المهاجرين في بنيانها المجتمعية على اختلافها وإن تغيير الهوية بشكل عام ليست هي الغاية من الاندماج.
‎ان استقبال المهاجرين هو تحد كبير يواجه السويد التي تصدرت قائمة الدول المستضيفة وهذا بالتأكيد له اسبابه الثقافية التي يجب عدم إهمالها، ومن الظلم والاجحاف التركيز فقط على الحاجة للنمو الديمغرافي في هذا البلد.
‎واعتقد ان هناك نقطة محورية يجب على المهاجر الالتفات اليها، ان السويد دولة علمانية، طابعها اشتراكي ديمقراطي مما يجعلها بعيدة إلى حد كبير عن مفهوم صراع الحضارات وهاجس تغيير الثقافة، وبالتالي ليس من المستغرب ان ترى في مسح بياني جرى مؤخراً في اوروبا ان السويديين أتوا في اسفل قائمة الذين يضعون المعايير الثقيلة لاعتبار المهاجرين في عداد المواطنين ، وهذا ليس بصدفة.
‎اما المهاجرون فهم يعيشون الخوف من الانصهار والذوبان وهذا شعور طبيعي نتيجة أنهم أقليات وان لديهم حضارة وثقافة مختلفة إلى حد كبير، فهم ينظرون الى الاندماج من زاوية الهوية ويبقى لديهم قلق دائم من فقدان الإرث الذي يحملونه وبالتالي الخوف من استبدال الهوية.

اعتقد ان المسألة هي مسألة توازن بين التعصب والمغالاة والشوفينية التي تعمي البصيرة من جهة،  وبين من يريد سلخ جلدته بمشرط الانبهار بالغرب من جهة ثانية.
‎وأعتقد ايضاً أن المطلوب هو الاندماج بمعنى الانخراط في مؤسسات المجتمع حتى تضاف قوة جزئية إلى قوة المجتمع العام وبالتالي تصبح الدولة أقوى بمؤسساتها، وهذا يعني مشاركة فعالة في العملية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، لكن هناك سؤال كبير برسم الدولة، هل يستطيع المهاجر الأصلي او جيله الأول أن يشارك في عملية بناء الدولة والوصول الى مفاصلها الأساسية وان يصبح جزء من مركز القرار فيها، أم أنه محكوم بسقوف مخفية ومبطنة تمنعه من ذلك وتجلسه عند حدود معينة؟ وهل ما نراه من مشاركة للمهاجرين القدامى في البرلمان او الوزارة وغيرها هي فقط تلوينة لازمة ليكتمل المشهد الديمقراطي فيها، ام ان المشاركة هي ثقافة وممارسة بالفعل، وهنا مربط الفرس، عندما نزيل هذه الشبهات من أمام هؤلاء الناس ونمارس الشفافية فنصل من خلالها الى عقولهم وقلوبهم ساعتئذٍ نخلق لديهم شعور المواطنة الحقيقية ونوجد الدافع لديهم للخروج من ازمة الانزواء والانطواء على الذات والانتقال الى اللحاق بالركب الحضاري والتعايش جنباً الى جنب مع افراد المجتمع الأصلي.
‎رسالة الى القيمين على هذا البلد الذي نحترمه ونجل فيه كل مظاهر الحرية والديمقراطية الحقيقية والشفافية والإنسانية التي نفتقدها في بلداننا الأصلية:‎ان خير الاعمال بالإكمال ، ومن بدأ هذه المسيرة الإنسانية الراقية بالترحيب بقي عليه الجهاد الأكبر وهو الاندماج.

هذا المهاجر الذي هرب من الحرب والظلم والاضطهاد والقمع يرى فيكم الأمل في حياة كريمة، وسيخيب أمله وسيصبح عدوانياً وسلبياً على نفسه وعلى المحيط والمجتمع إذا شعر انه سيبقى يعامل كمهاجر الى ابد الابدين ولن يصبح مواطناً حقيقياً ابداً.

المسؤولية مشتركة على عاتق الجميع ولكنها بالدرجة الأولى مسؤولية رب البيت، واعتقد ان هناك الكثير من المهاجرين من أصحاب العقول الذين هم على استعداد للمساعدة للوصول إلى ما يرفع هذا البلد ويصونه.

لا تبخلو على انفسكم وعلى البلد بالحوار والمشورة .

كمال درويش

مقالات الرأي تعبر عن أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس

التعليقات

أضف تعليقاً

تعليق واحد

الاندماج ليس كلمه تقال …. الاندماج يجب ان يكون هنالك اليه حقيقيه فعاله لتحقيق هذا الاندماج أولها اين فرص العمل الحقيقيه المتوفره ليخرج المهاجر من عزلته؟؟؟ على الأقل حتى لو مبدئيا فرص سهله ثم يتدرد شيئا فشيا.. لماذا يرمى اللوم دائما على المهاجر انه غير متعاون ومنعزل ؟؟؟ اليس هذه المجتمعات تدرس كل الأسباب وتبحث عن حلول؟؟هم يعرفون جيدا عن ثقافه تلك الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم وكل شي ومع ذلك ضاربين عرض الحائط كل هذا ويتجاهلوه ويطلبون منه المستحيل قياسا للثقافه القادم منها ويطلبون منه مايطلب من ابن بلدهم المتعود على القوانين والعمل والمرونه والحريه والاعتماد على الذات والفر ص المتاحه له في الدراسه والتعليم والاختيار والعمل والنظره العامه الشامله للحياة..ولم ياخذوا بنظر الاعتبار الفارق الثقافي