الحقوق الدستورية للمكونات العراقية

مقالات الرأي: منذ سقوط النظام الدكتاتوري في 9 نيسان 2003 وحتى اليوم , يتعرض العراق الى سلسلة من انتهاكات حقوق الانسان والى عمليات ارهابية بشعة طالت كل القوميات واتباع الديانات والمذاهب و لم تسلم منها حتى دور العبادة  بسبب التطرف والتعصب والجهل وانعدام القيم الانسانية عند الفاعلين والمتورطين والمشتركين بهذه الاعمال الاجرامية .

وضمن القواعد الانسانية والدستورية والقانونية التي توجب التعايش والتسامح بين كل المكونات في العراق , فان الواجب يفرض على الجميع التعاون والتكافل فيما بينهم واشاعة السلم الاهلي في المجتمع, اذ بدون اسس التعايش بين المكونات العراقية لا تستقيم الحياة وبدونها ايضا ينتهز الارهابيون الفرص للعبث بأمن البلاد  وارتكاب الجرائم التي تهدد مستقبل الاجيال .

ومن اكثر المكونات العراقية التي استهدفها الارهاب هم المسيحيون من كلدان واشوريين وسريان , وكذلك الايزيديين والشبك والصابئة المندائيين والتركمان  فقد تعرضوا الى القتل والتهجير وتعرضت أماكن عباداتهم المقدسة  وبيوتهم الى التدمير .

وهذه الاعمال غير المشروعة تعد جرائم خطيرة يمكن ان تدخل ضمن وصف قانوني يطلق عليه ( جرائم عمدية لا تسقط بمرور الزمان وهي تعد ايضا جرائم دولية وليست جرائم عادية ).

ومن هنا انعقد في كوردستان للفترة من 23/ 24 نوفمبر 2013 مؤتمر تأسيسي مهم  لمنظمة أصدقاء برطلة  حضره شخصيات أكاديمية وسياسية والعديد من الخبراء والمثقفين والمختصين ورجال الدين  ويصب في جوهر حقوق الانسان التي تنتهك يوميا في العراق من اطراف وجهات متعددة مستفيدة من ضعف الدولة ومؤسساتها  وفي مقدمتها الجماعات الارهابية , كما  جاء هذا المؤتمر للوقوف صفا واحدا ضد الظلم والعدوان والتهجير والجرائم التي يتعرض لها جزء من المكونات العراقية التي عاشت في العراق بسلام منذ القدم  وتحتاج الى الحماية من مؤسسات الدولة وبخاصة من الاجهزة الامنية وضمان حقوقها الدستورية والقانونية وتعويض المتضررين منها .

محنة العراقيين وضرورة الوسطية أو الأعتدال :

من خلال متابعة الاحداث المأسوية التي مرت على العراق والتي ما تزال قائمة حتى الان , فأن  أتباع الديانات و المعتقدات من غير المسلمين وأتباع المذاهب من المسلمين بعد 2003 تعرضوا الى الكثير من الأنتهاكات و الجرائم التي كانت بعضها بمثابة جرائم إبادة للجنس البشري وفقا لوصف القانون الدولي الأنساني (  Crime of genocide in international law  ) حتى كاد العراق – عدا كوردستان – أن يكون على  شفا حفرة من الحرب الأهلية  بسبب سياسة الثأر والانتقام وردود الافعال وغياب القانون وضعف مؤسسات الدولة والتي تعتبر في جزء كبير منها نتيجة لسياسات النظام الدكتاتوري السابق الى جانب فشل النظام السياسي الحالي ومنذ عام 2003.

فالمسيحيون والصابئة المندائيون والأيزيديون والشبك  نالهم من الأنتهاكات والتمييز والجرائم الكثير وبلغت حدا لا يمكن السكوت عليها , ويتوجب على جميع مؤسسات الدولة العراقية والدول التي تحترم حقوق الانسان وجميع المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين والشخصيات دعم ومساندة اتباع هذه المكونات المسالمة وحمايتها من الأرهابيين والتكفيريين ممن يلبسون ثوب الاسلام ويمارسون الانتهاكات والجرائم والتكفير , كما بلغت محاولات اشعال  الأقتتال الطائفي والمذهبي بين المسلمين درجة خطيرة صارت تهدد مستقبل البلاد أيضا بسبب التطرف والتعصب الاعمى وشيوع الفتاوى التكفيرية من الجهلة والاميين من الشيوخ ووجود المليشيات وانتشار السلاح في المجتمع وشيوع الفساد المالي والاداري والسياسي في جميع مفاصل الدولة العراقية .

لقد تعرضت الكنائس الى جرائم خطيرة فضربت وهدمت أعداد كبيرة منها وأغتيل العديد من المطارنة في الموصل وبغداد وغيرها نذكر منهم مثلا المطران فرج رحو والأب يوسف عادل , اضافة الى قتل وتهجير العديد من اتباع الديانة المسيحية بسبب انتمائهم الديني واجبارهم على النزوح او الهجرة من العراق , وبخاصة في مناطق سهل نينوى وبغداد والبصرة  وهذه جرائم عمدية خطيرة تستحق معاقبة الفاعلين وتعويض المتضررين وفقا للدستور والقانون  .

أما الأيزيديون فقد تعرضوا الى العديد من الهجمات الأرهابية والقتل على الهوية من الأرهابيين والتكفيريين والى سياسة التمييز الديني في مناطق مختلفة وبخاصة في الموصل وسنجار ولا تزال سياسة التمييز الديني موجودة حتى الأن ضدهم , على سبيل المثال يتم تطبيق أحكام الفقه الحنفي على قضاياهم المتعلقة بالأحوال الشخصية من القضاء العراقي ,  وهذا لايجوز , فكيف يطبق الفقه الحنفي وهو مذهب اسلامي على شخص غير مسلم كما هو معمول به الآن ؟

ونتساءل أيضا كم قاضي أو قاضية من الأيزيديين يشغلون منصب القضاء في العراق اليوم أو أي منصب وظيفي رفيع ؟

ولم يسلم الشبك من هذه الجرائم ولا التركمان حيث تعرضوا الى هجمات إجرامية في اوقات متعددة في تلعفر وطوزخرماتو وكركوك ومناطق اخرى حتى اعتبرت هذه الاماكن من المناطق المنكوبة في العراق دون اتخاذ اجراءات من قبل الدولة  تتناسب وحجم هذه الكوارث.

ونحن نعتقد بأنه لا يكفي أن ينص الدستور على التعددية الدينية في العراق وانما يجب أن يطبق ما فيه على أرض الواقع وأن تكون هناك حماية حقيقية لحقوق جميع القوميات واتباع الديانات والمذاهب والى رعاية وحماية أماكن عباداتهم ومراقدهم المقدسة واحترام شعائرهم وتعاليمهم الدينية .

كما لحقت طائفة الصابئة المندائية – وهم أحفاد الحضارات العظيمة التي قامت في وادي الرافدين – إنتهاكات لحقوقهم وأرتكب الأرهابيون والمتطرفون جرائم بشعة ضدهم لاسيما في مناطق بغداد مما أضطر كثير من العوائل الهجرة من بغداد الى المنافي ودول الجوار والى كوردستان التي صارت ملاذا أمنا للعديد منهم  . وعلى الرغم من مشاركة ممثل عن الصابئة المندائية في لجنة كتابة الدستور واعتراف الدستور بالتعددية الدينية والمذهبية وبالحقوق المتساوية للجميع إلا إن الصابئة المندائيين ما يزالون يعانون من التمييز الديني والتهميش في كثير من المجالات منها مثلا في مجال الوظيفة العامة .

لذك يقع على الحكومة العراقية ومؤسسات الدولة مسؤولية حمايتهم واحترام حقوقهم الدينية وغير الدينية ومنها ضرورة حماية لغتهم الآرامية القديمة , كما يقع على المرجعيات الدينية الاسلامية واجب تنوير الناس بضرورة احترام حقوق كل القوميات و اتباع الديانات والمعتقدات الأخرى من غير المسلمين وتحريم سفك دمائهم ونهب اموالهم . .

أما اليهود العراقيون الذين لم يبق منهم في العراق إلا عدد محدود لا يتجاوز أصابع اليد بسبب سياسات الأنظمة السابقة ضدهم فقد بقيت أموالهم المنقولة وغير المنقولة مجمدة حسب القوانين العراقية الصادرة منذ العهد الملكي , فضلا عن اسقاط الجنسية العراقية عنهم لأسباب دينية , وهذه أعمال باطلة تخالف جميع الوثائق الدولية , وحتى الدستور العراقي لعام 2005 لم ينصفهم بالرغم من إنه ينص في المادة 18 منه على منع اسقاط الجنسية العراقية عن العراقي لأي سبب من الاسباب وأعطى الحق لمن اسقطت عنه الجنسية العراقية طلب استعادتها . وسبق ان اعترضنا على حرمانهم من حقوقهم في الجنسية وأهمية اعادة اموالهم اثناء كتابة الدستور العراقي عام 2005 وتحفظنا على نصوص الدستور في مؤتمر صحفي في مجلس النواب ببغداد في اب 2005 والذي عقد بمشاركة بعض اعضاء اللجنة الدستورية .

كما ان الكورد الفيليين تعرضوا للظلم ولجرائم خطيرة في ظل حكم البعث المقبور وهم في محنة مستمرة حتى ما بعد زوال النظام الدكتاتوري الذي اسقط عنهم هويتهم وجسنيتهم العراقية  وصادر بيوتهم وممتلكاتهم واموالهم التي نهبت من ازلام النظام المقبور بينما هم عراقيون .

ويعود سبب حرمانهم من الجنسية العراقية الى سياسة التمييز القومي والمذهبي من النظام السابق الامر الذي يوجب على الحكومة العراقية الاهتمام الجدي بهذا الملف المهم واعادة الجنسية العراقية لهم مع ممتلكاتهم وحقوقهم كاملة ورد الاعتبار لهم بسبب تضحياتهم ومعاناتهم الطويلة ولما لحقهم من ظلم وعدوان وجرائم كثيرة ما تزال اثارها قائمة ومنها حقوق عوائل الشهداء المهدورة .

إن الواجب الدستوري والقانوني والأنساني يوجب حماية حق الحرية الدينية أو المعتقد للجميع وإشاعة الوسطية والأعتدال ومحاربة الأرهاب وتطهير العراق من التكفيريين والوقوف بحزم ضد الاسلاميين المتطرفين سواء من السنة اوالشيعة , وسحب جميع قطع السلاح من الأشخاص والميليشيات وعصابات الجريمة المنظمة وحصرها بمؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية ومنع تشكيل أو إستمرار المليشيات وإعادة النظر في المناهج الدراسية وبضرورة تفعيل الدستور واحترام حقوق الانسان وتعويض المتضررين ومحاسبة المسوؤلين عن هذه الجرائم ونشر ثقافة السلام والحوار بدلا من ثقافة التطرف والكراهية .

وفي هذا السياق نعتقد بأن أماكن العبادة المقدسة لا يجوز أن تكون مصدرا للفتنة والتحريض ونشر التطرف او ممارسة العمل السياسي كما يحصل في مناطق مختلفة من العراق , ولا حصانة لأي رمز ديني اذا قام بتحويل الأماكن المقدسة الى مقرات للخطب الساخنة التحريضية ومحلات للعمل السياسي وخزن السلاح وأماكن لتقييد الحرية , وهو مسؤول جنائيا ومدنيا عن أفعاله , وقد مارس هذا السلوك بعض الاسلاميين وهو ما يضر بالمصلحة الوطنية العليا . وما تزال هناك العديد من مواقع الانترنيت تنشر الأحقاد والتطرف وتحرض على الثأر والانتقام وتشجع على الجرائم الارهابية وهي بعيدة عن المحاسبة القانونية وهذا ما يشجعها على الاستمرار في هذا النهج الاجرامي  مادام المسؤولون عن إدارتها بعيدين عن العقاب .

موقف الدستور العراقي لعام 2005

اولا – مبدأ المساواة  (المادة 14)

نص الدستور العراقي لعام 2005 في باب الحقوق والحريات وضمن الحقوق المدنية والسياسية على  مبدأ المساواة بين العراقيين جميعا انطلاقا من القواعد الانسانية اذ نصت المادة المذكورة  مايلي :

((العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي .  )) وهذا المبدا الجوهري الواضح يرجع اساسه الى الاعلان العالمي لحقوق الانسان .

ثانيا – ضمان الدستور للحقوق  الدينية

من القواعد الاساسية في الحياة هي احترام وصيانة الحقوق والحريات  بكل أنواعها والا فان الحياة لن تستقيم بدونها , ولا يمكن ان يكون هناك تعايش واستقرار في المجتمع بدون ذلك . ولهذا فقد كنت حريصا اثناء عملي في لجنة كتابة الدستور العراقي على اعتماد نصوص الاعلان العالمي لحقوق الانسان في هذا الجانب والاستفادة من دساتير دول العالم المتحضر من أجل حماية حقوق المكونات العراقية وبخاصة الحقوق الدينية واماكن العبادة وكان لي الشرف في كتابة مقترح نصوص الباب الثاني من الدستور          ( الحقوق والحريات ) التي قدمتها للجنة الفرعية الثانية وجرى تبني غالبية النصوص المقترحة .

ونشير هنا الى انه وفي  اثناء كتابة الدستور العراقي كنت قد اقترحت اعتبار هذا الاعلان كجزء من الدستور مثلما فعلت دساتير العديد من الدول ومنها مثلا الدستور السويدي الذي جعل من هذا الاعلان جزء منه ايمانا من واضعي الدستور السويدي بأهمية المبادئ الانسانية الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان , غير ان اغلب اعضاء اللجنة الدستورية رفضوا ذلك بحجة ان بعض قواعده تخالف الشريعة الاسلامية وكنت كمن يغرد خارج السرب !

و مع ذلك جرت صياغة الحقوق الدينية على النحو التالي :

المادة (2):

ثانياً : يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والآيزديين والصابئة المندائيين .

المادة (43):

ثانياً : تكفل الدولة حرية العبادة وحماية اماكنها .

ثالثا – ضمان الدستور للتعدد القومي والديني والمذهبي

حرص الدستور العراقي على ضمان التعدد القومي والديني والمذهبي الذي يمتد بجذوره الى اقدم العصور في بلاد الرافدين وهو تأكيد واضح على وجود المكونات المختلفة في العراق وعلى الاعتراف بالحقوق المتساوية للجميع ومنع التمييز لآي سبب كان فجاء في المادة 3 والمادة 125 صراحة على ضمان الحقوق والحريات :

المادة (3):

العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو عضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها و جزء من العالم الإسلامي .

المادة (125):

يضمن هذا الدستور الحقوق الادارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان، والكلدان والاشوريين، وسائر المكونات الاخرى، وينظم ذلك بقانون .

رابعا – عدم دستورية التغيير السكاني

لعل من بين أهم القواعد الاساسية في هذا الميدان هو جواز تملك كل العراقيين في اي مكان كان من العراق غير ان النظام السابق مارس جرائم خطيرة في تغيير الهوية الديموغرافية لبعض المناطق لاهداف سياسية  ولهذا لا يجوز لآي طرف تكرار هذه الاخطاء لانها تضر بالسلم الاهلي وتزرع الفتنة وتنشر الاحقاد وهو انتهاك للدستور ومن هنا حرص الدستور العراقي النافذ على منع اي عمل يهدف للتغيير السكاني لآي مكون على حساب أخر فجاء في المادة 23 مايلي :

المادة 23 :

ثالثاً:

أ- للعراقي الحق في التملك في اي مكان في العراق، ولايجوز لغيره تملك غير المنقول الا ما استثني بقانون .

ب- يحظر التملك لأغراض التغيير السكاني .

الاقلية والاغلبية

في خلال فترة كتابة الدستور العراقي عام 2005 , طرح بعض الاعضاء مصطلح الاقلية والاغلبية للمكونات العراقية القومية والدينية والمذهبية , وقد اعترضنا على ذلك لما فيها من عدم قبول اوتجريح لجانب من العراقيين واقترحنا تسمية اخرى اكثر قبولا تمت الموافقة عليها من لجنة كتابة الدستور وهي عبارة ( المكونات العراقية القومية والدينية والمذهبية ) .

ان هذه المكونات وان سميت بالمجموعات الصغيرة من الناحية العددية Minority , إلا أنها ليست صغيرة في قيمتها وأهميتها وقوتها ودورها الأنساني وفي تاريخها وثقافاتها وخدماتها للعراق منذ القدم حتى الأن , اذ ليس العبرة بالعدد ابدا , وحينما نقول مكونات صغيرة لا يعني تهميشها او إقصاء دورها , هذا فضلا عن ان الديمقراطية لا يمكن ان تبنى بصورة صحيحة مع وجود تعطيل او اقصاء لمكونات اخرى لأن الديمقراطية لا تعني حكم الأغلبية Majority وانما يراد بها حكم الجميع ومشاركة الكل في السلطة وصنع القرار وفي توزيع الثروة بصورة عادلة .

اي ان الديمقراطية تعني حكم الكل ومشاركة الجميع بصورة عادلة  لا دكتاتورية الأغلبية على الأقلية او على المجموعات الصغيرة قوميا او دينيا او مذهبيا .

ولقد برز من بين هذه المكونات العراقية , التي هي مثل باقة الورد , من الأشوريين والكلدان والسريان والصابئة المندائية والأيزيديين والشبك والتركمان وغيرهم شخصيات علمية وفكرية وسياسية وثقافية وفنية أغنت العراق وتاريخة وثقافته , ومن حقهم ان ينتسبوا للعراق وان ينسب العراق لهم , لان مصدر قوة بلاد الرافدين بوجود هذه الأطياف المتعددة والمختلفة ورعايتها واحترام حقوقها واي تهميش لهذه المكونات خرق للدستور وللمواثيق الدولية ومنها الأعلان العالمي لحقوق الأنسان والبروتوكولات الملحقة به وانتهاك لقواعد الديمقراطية المعروفة دوليا وللقيم الأنسانية النبيلة .

خامسا – ضمان الدستور للهوية الثقافية واللغة

يضاف الى ما تقدم , فان الدستور العراقي حرص على ضمان الهوية الثقافية واللغة لهذه المكونات سالفة الذكر لهذا خصص المادة 4 منه الى الاعتراف باللغة التركمانية والسريانية والأرمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية الى جانب اللغتين الرسميتين ( العربية والكوردية ) لا بل جعل من اللغتين التركمانية والسريانية لغتين رسميتين في الوحدات الادارية التي يشكلون فيها كثافة سكانية ( الفقرة رابعا ) وسمح في الفقرة خامسا لكل اقليم أو محافظة اتخاذ اية لغة محلية أخرى لغةً رسمية اضافية اذا اقرت غالبية سكانها ذلك باستفتاء عام .

سادسا – حق وقدسية ممارسة الشعائر الدينية

ومما يتعلق بذلك ضرورة حماية حق ممارسة الشعائر الدينية في دور العبادة لاتباع الديانات والمذاهب لانها سلمية وبدون عنف وتعكس البعد الحضاري لتاريخ العراق انسجاما مع قواعد الدستور الضامنة للحقوق والحريات لجميع العراقيين ومن هنا نصت المادة 10 منه على مايلي :

(( المادة (10):

العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها .)).
موقف الاعلان العالمي لحقوق الانسان

إحتل العراق خلال خمسة عقود  , وكذلك البلدان العربية والأسلامية , المرتبة الأولى من بين دول العالم في إنتهاكات حقوق الانسان طبقا لتقارير منظمة العفو الدولية ومراصد حقوق الأنسان المنتشرة في العالم , وفي – تقديرنا – فأن هذا يرجع الى عوامل متعددة نذكر منها  :

  • وجود ثقافة الكراهية بسبب التعصب والتطرف وبخاصة في المناهج الدراسية التعليمية وهذا  يعني تواصل إهدار حقوق الأنسان ومعاييرها الدولية المتعارف عليها التي يجب أن تكون هي الأساس في التربية والتعليم وليس عبارات الأنتقام والثأر والجهاد وتكفير الآخر والعنصرية أوالتمييز بين البشر على أساس الجنس أواللون أوالأصل أوالدين أوالمذهب .
  • غياب الديمقراطية وإنعدام الشفافية وانتشار الفساد المالي والاداري والسياسي  وضعف دور القانون .
  • الحروب والصراعات المسلحة في منطقة ساخنة وهي الشرق الاوسط .

ولهذا لا بد من الرجوع الى نصوص الاعلان العالمي لحقوق الانسان كشريعة كونية انسانية تؤسس لقواعد مهمة في ميدان احترام حقوق البشر من أجل السلام الذي هو قانون الحياة والتعايش بين كل المكونات ولعل من الضروري التذكير ببعض اهم القواعد ذات الصلة  وهي على النحو التالي :

المادة 1.

  • يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء.

المادة 2.

  • لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.

المادة 7.

  • كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة عنه دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعا الحق في حماية متساوية ضد أي تميز يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تمييز كهذا.

المادة 18.

  • لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة.

الخلاصة :

  • ضرورة مخاطبة الرئاسات الثلاث في بغداد و حكومة اقليم كوردستان وبرلمانه بما يتعرض له المسيحيون والمكونات الاخرى من انتهاكات لحقوق الانسان وجرائم خطيرة من الارهابيين وعمليات التغيير السكاني في مناطقهم وهي انتهاكات للدستور العراقي .
  • تأكيد أهمية ترسيخ التسامح والتعايش السلمي بين المكونات وإنصافها المتعايشة  في سهل نينوى من المسيحيين (  , الكلدان , السريان , الاشوريين   ) والإيزديين والشبك والعرب والكرد والكاكائيين وغيرهم .
  • حصر الاضرار التي لحقت بالمتضررين في منطقة سهل نينوى وتعويضهم ماديا عن الاضرار وفقا للقانون .
  • يقع على المرجعيات الدينية الاسلامية واجب تنوير الناس بضرورة احترام حقوق كل اتباع الديانات والمعتقدات الأخرى من غير المسلمين وتحريم سفك دمائهم ومنع تكفيرهم وحظر نهب اموالهم . .
  • ضرورة نشر ثقافة السلام والحوار بدلا من ثقافة التطرف والكراهية  وإعادة النظر بالمناهج الدراسية الحالية التي لا تنسجم مع قواعد حقوق الانسان في كثير من مفرداتها .
  • منع الخطب التحريضية في المساجد والحسينيات والتأكيد على قيم المحبة والتعايش والتسامح ونبذ الثأر والفرقة وممارسة العنف وتشجيع الشباب على التعاون وترسيخ قيم الخير والروح الوطنية والانتماء للوطن .

 

الدكتور منذر الفضل
مقالات الرأي تعبر عن أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس

التعليقات

أضف تعليقاً