2020-12-25

الكومبس – زاوية (ولكن): من الخطأ الإعلان عن الانتصار أو عن الهزيمة بعد انتهاء الشوط الأول، هكذا يفكر على الأقل الواقعيون الذين يرفضون الإعلان المبكر عن نجاح أو فشل الاستراتيجية السويدية في مواجهة جائحة كورونا. 
لعل الكثيرين منا يتذكر مباراة كرة القدم بين السويد وألمانيا ضمن تصفيات كأس العالم في أكتوبر 2012. في الشوط الأول، كانت ألمانيا متقدمة على السويد 0-4. أحد الكتاب الصحفيين شبه السلبيين والمشككين الذين حكموا من الآن على أن الاستراتيجية السويدية في مكافحة الجائحة فاشلة، باللذين سارعوا إلى مغادرة الملعب او استعجلوا إغلاق تلفزيوناتهم عند نهاية الشوط الأول، دون أن ينتظروا كيف عادت السويد وسجلت أربعة أهداف في الشوط الثاني وقلبت النتيجة إلى 4-4.

تشبيه ومقارنة انتظار مفاجآت الكرة المستديرة في ملاعب كرة القدم مع معجزات منتظرة في مكافحة فيروس كورونا قد يكون تشبيها واقعيا، لأن البشرية بالفعل حققت ما يشبه المفاجئة أو حتى المعجزة واستطاعت تحضير لقاح في مدة قياسية قصيرة جدا. 

الآن نرى أنفسنا وكأننا نقف في منتصف الأزمة بين شوطين، ومن المهم مراجعة والاطلاع على انتقادات وتقييمات أداء الشوط الأول، وحول ما فعلته السويد وما كانت يجب أن تفعله أو لا تفعله، لتقليل الأضرار والحفاظ على أرواح الناس.

المجتمع هنا وبغض النظر عن أفكار السلبيين المتشائمين وأصحاب نظريات المؤامرة، مجتمع حريص على حياة أي إنسان، وعندما نعرف أن الفيروس تسبب في وفاة حوالي 8000 شخص، هذا العام يمكننا تخيل حجم ما يعنيه الرقم من خسارة 
من خلال البحث فيما كتب ونشر عن العوامل التي أدت إلى هذه الخسارة، يمكن ملاحظة أربع عوامل رئيسية:
العامل الأول: أن السويد التي لم تدخل في حروب ولم تتعرض إلى أزمات وطنية كبيرة منذ أكثر من 200 عام، وجدت نفسها فجأة في حالة طوارئ خطيرة، لم تكن مستعدة لها. وهذا قد يفسر كثرة حالات الوفيات في السويد مقارنة مع الدول المجاورة لها التي دخلت حروب إما مع روسيا مثل فلندا، أو عانت من الاحتلال النازي مثل الدنمارك والنرويج. 
يمكن القول إن الاستعداد لمثل هذه الحالة كان يساوي تقريباً الصفر. لا يوجد في البلاد أي مخزون من معدات الحماية خاصة للكادر الطبي، وهناك عدد قليل جدًا من العاملين المختصين والمؤهلين لمكافحة الأوبئة، حتى من الناحية القانونية لم تكن هذه الحكومة أو أي حكومة قبلها مخولة بفرض إجراءات مركزية على إدارة البلديات والمحافظات.
العامل الثاني لتزايد الانتشار وارتفاع عدد الوفيات هو عدم قدرة السويد منذ بداية الوباء على إجراء عزل أو اختبار لجميع السويديين والزوار القادمين إلى البلاد من بؤر تفشي المرض. وتركهم يجولون وينقلون العدوى لغيرهم.

العامل الثالث: يتمثل بخطأ فادح، وقعت به السويد حسب العديد من المطلعين، وهو عدم التلافي السريع لشبه الانهيار الذي تعرضت له دور رعاية المسنين، على الرغم من تقارير عديدة، كانت تحذر من ضرورة حماية الموظفين والنزلاء في هذه الدور.
ولكن وكما يبدو كانت سرعة انتشار الفيروس وسط المسنين أسرع من أي إجراءات متخذة، والسبب حسب المطلعين هو وجود أخطاء متراكمة عديدة، ضمن نظام الرعاية الاجتماعية، وهي أخطاء قد لا تتحمل مسؤولياتها فقط هذه الحكومة بل الحكومات السابقة أيضا ومجالس البلديات والمحافظات النيابية، خاصة بعد خصخصة هذا القطاع والسماح للشركات الخاصة الدخول والمنافسة به.

العامل الرابع: كان يُعبر عنه عدد من المسؤولين من وقت إلى آخر عبر إشارات الى أن المهاجرين واللاجئين يرفعون نسبة الوفيات في السويد، لأن عددهم أكثر مما هو عليه في الدول المجاورة، ولأن نسبة الوفيات بينهم أعلى من المعدلات العامة.
هناك من اعتبر أن هذه التصريحات عنصرية ويمكن أن تزيد الكراهية ضد من هم غير سويديين في المجتمع، للأسف هذا التخوف كان ولا يزال في محله، فقد استغلت العديد من الجماعات والأحزاب المتطرفة هذه التصريحات في الترويج لأجنداتها الشعبوية، متناسية حقيقة مهمة وساطعة وهي أن أغلب من هم من أصول مهاجرة، يعملون على خط الجبهة الأول في مواجهة الوباء، فمنهم الممرضين وعمال وموظفي الرعاية الصحية اجمالا ومنهم سائقي المواصلات والقائمين على تأمين بقية الخدمات الضرورية، إضافة أن أغلب هؤلاء المستهدفين دائما من قبل اليمين المتطرف هم، من محدودي الدخل، أي أن غيابهم عن العمل يعني تقليص أكثر لدخلهم اليومي. وهم بالتالي لا يستطيعون العمل من المنازل كما يفعل الموظفون الاخرون.
نتيجة لمراجعة الأربعة عوامل السابقة، التي ساهمت بتراجع أداء الشوط الأول، نجد أنها عوامل كانت موجودة سابقا في السويد، ونشأت قبل وقت طويل من اندلاع الجائحة. لذلك هناك من يقول إن السويد يجب ألا تعيد أخطاء سوأ التقدير لقوة الموجة الثانية. حيث تمنى العديد من المسؤولين أن يروا الأفضل لكنهم لم يحتاطوا على ما يبدو لما هو أسوأ.

في جميع أنحاء العالم، لقي حتى الآن ما لا يقل عن 1.7 مليون شخص حتفهم بسبب كوفيد -19. من المحتمل أن يكون هذا العدد أكثر ارتفاعا في دول لا تتوفر لها إمكانية اجراء إحصاءات واختبارات دقيقة.

من منظور أوروبي، تقع السويد حتى الآن في مكان ما في الوسط. أي أن السويد بالتأكيد ليست الأفضل، لكن العديد من الدول الأوروبية كانت أسوأ، ومنها حتى الدول التي اتخذت إجراءات عزل مشددة منذ البداية. 

لا شك أن رقم الـ 8 آلاف لعدد حالات الوفاة، من الناحية الإنسانية وكما قلنا هو رقم كبير، ولكن السويد في العام 2020 وهو عام بدأ الوباء حافظت تقريبا على نفس معدل الوفيات العام في الأعوام العشرة الماضية
يموت في السويد وسطيا 90 ألف شخص في كل عام، الإحصاءات تشير إلى أن عام 2020 وحتى تاريخ 4 ديسمبر شهد وفاة 87,169 شخصا وهذا الرقم يشمل الـ 7 آلاف حالة وفاة تقريبا نتيجة الوباء حتى نفس تاريخ اجراء الإحصائية.
 
ومع ذلك تؤكد السلطات وفي كل مناسبة على أن الوضع خطير بل وخطير جدا، فهذه التحذيرات المستمرة ناجمة عن قلق السلطات من تعطل النظام الصحي في حال فشله باستيعاب أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية في المستشفيات.

يجب النظر أيضا إلى الأداء الجيد والمميز لعدد من الدول الأسيوية. عند مقارنة عدد الوفيات في هذه الدول مع عددها في الدول الأوربية، ربما تجربة انتشار مرض سارس، وهو مرض فتاك للغاية يقف وراءه نوع أخر من فيروسات كورونا، كان له دورًا رئيسيًا في أخذ الاحتياطات وفي الإدراك المسبق ليس فقط لدى حكومات هذه الدول الآسيوية، ولكن أيضًا لدى جزء كبير من السكان في كيفية حماية أنفسهم.
على مدار السنوات الماضية، وقبل جائحة كورونا الحالية، كان من السهل رؤية سواح آسيويين يرتدون الكمامات في المطارات الدولية، والأماكن السياحية وكأنها طريقة احترازية أصبحت عادة لحماية الآخرين

شاهدنا أيضا كيف تعرضت الاستراتيجية السويدية تارة إلى ثناء وإشادة وتارة إلى ذم واستنكار من قبل وسائل الإعلام الأجنبية أو من قبل سياسيين وحتى من قبل رؤساء دول ومنظمات عالمية، ولكن وفي كلا الحالتين الذم أو الثناء كانت السويد تُظلم ولم يكن التقييم صحيحا مئة بالمئة. لقد بالغ الكثيرون في تفسير العقلية السويدية، عند الوصف السلبي جدا أو الإيجابي جدا لما يسمى بـ “التراخي” في الاستراتيجية السويدية.
الصحافة الأجنبية بما فيها العربية لم توفق أيضا في ترجمة تصريحات المسؤولين السويديين، مثال على ذلك التقارير التي فسرت ما قاله الملك السويدي في خطابه الأخير بأن السويد فشلت في حماية المسنين، فسرته على أنه اعترف من الملك بفشل الاستراتيجية السويدية كلها، من الطبيعي أن يقول الملك أننا فشلنا في حماية المسنين بغض النظر عن عدد الوفيات، لأنه هو الملك أو أي مسؤول سويدي آخر لا يستطيع أن يقول بأننا نجحنا، طالما هناك خسائر فهناك فشل، 

وطالما أننا نعيش بدولة ديمقراطية فهذا يعني أننا لم ولن نسمع خطابات تبجح  وسرد فارغ للإنجازات، بل يجب أن نسمع ونستمع إلى الانتقادات وإلى البحث عن أسباب وعوامل الفشل او النجاح المحتمل.

الآن تقترب استراتيجيات معظم البلدان المختلفة من بعضها البعض خاصة بما يتعلق بالتنفيذ العملي. نرى أن معظم الدول لا تغلق المدارس الابتدائية والثانوية إلا لفترات قصيرة. وهذا ما فعلته السويد منذ البداية. عندما اعتمدت على ركيزتين اثنتين
الأولى: المحافظة على مستوى انتشار للعدوى لا يسمح بانهيار نظام الرعاية الصحية.

والثانية: العمل قدر الإمكان على حماية الفئات المعرضة أكثر لخطر الموت.

ومع كل ذلك نرى أن السويد لا تزال إلى الآن، تعول على ثقة مواطنيها ووعيهم أكثر من فرض القوانين والتعليمات بالقوة وعلى الرغم من اتخاذ الحكومة إجراءات تدريجية أكثر صرامة دون أن تقترب من تنفيذ الإغلاق التام أو المحكم لمجتمعها. 
برغم كل العثرات التي وقعت بها السويد، يجب توجيه تحية امتنان وشكر لكل العاملين بمجال الرعاية الصحية من أطباء وممرضين وعمال نظافة وسائقين، والشكر أيضا لكل القائمين على حماية المجتمع من خطر هذه الجائحة

قد يكون من أخطر ما يواجه السويد حاليا هي روح السلبية التي يحاول البعض بثها خاصة بين غير المحصنين بالمعرفة الكافية، المعرفة ليس بعلم الأوبئة والطب والفيروسات، بل المعرفة بمبادئ المجتمع السويدي الأساسية وكيف تُدار الدولة والإلمام بدور المؤسسات ودور وسائل الإعلام الموثوقة والتفريق بين الشائعة والمعلومة الصحيحة.

لأن هؤلاء السلبيين يجدون بالناس البسطاء تربة صالحة لبث سلبيتهم وتشكيكهم بكل شيء من حولهم. والحكم المسبق على الإجراءات السويدية بأنها خاسرة، ويستهزؤون بنظام الرعاية الصحية وبالأشخاص المسؤولين عن مواجهة الوباء بطريقة غير لائقة وبعيدة عن قواعد النقد والحوار.
من المؤكد أن قرارات المسؤولين تشكل جزء مهما من المعركة ضد كورونا. ولكن لا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية وعي وإرادة كل فرد، وقدرته على أداء دوره، خاصة في مواجهة السلبيين والتحصن بالمعرفة.
رئيس التحرير محمود آغا

Related Posts