قريبا من الممكن أن تفسخ السويد بعض عقود الزواج ليس باسم الدين بل باسم القانون، كل ذلك ضمن سلسة من الاقتراحات والقوانين المخصصة تحديدا للمهاجرين واللاجئين ووسط غياب كامل لأصوات المتضررين أو على الأقل المعنيين بهذه القرارات
كما نعلم، يُستخدم تعبير “فسخ عقود الزواج” عادة في سياقات دينية، عندما يقرر شيوخ أو رجال دين، من دون الرجوع إلى أحد الزوجين أو كليهما، أن هذا الزواج أصبح باطلاً أو محرّماً، فيُجبر الطرفان عملياً على الطلاق. ولكن قريباً، قد تمارس السويد نفسها هذا الدور، لا باسم الدين، بل باسم القانون.
في حال إقرار مقترح حظر زواج الأقارب وتطبيقه بأثر رجعي، ستصبح السويد أمام سابقة قانونية خطيرة، حيث يمكن للدولة أن تُبطل عقود زواج قائمة فعلياً. أي أن زيجات كانت قانونية في وقت إبرامها، خارج السويد، قد تفقد لاحقاً اعتراف الدولة بها.
هذه ليست حالة معزولة، بل تبدو جزءاً من سلسلة اقتراحات وقرارات حكومية تمس اللاجئين والمهاجرين بشكل مباشر. مثل إلغاء الإقامات الدائمة وإمكانية سحب الجنسية وقوانين الشرف …سلسلة تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ “الخيال التشريعي” لدى قوى سياسية وجدت في الأجانب وقوداً سهلاً لشعبيتها، خصوصاً لدى جمهور اليمين. خيال يتوسع أكثر كلما واجه صمت الفئات المتضررة، وغياب مشاركتها في النقاش الديمقراطي حول قرارات تمس حياتها الخاصة.
وكما نعلم أيضا
زواج الأقارب هو ظاهرة اجتماعية معروفة في المشرق، ولا يقتصر على دين أو طائفة بعينها. في المقابل، تمنع العديد من الدول الأوروبية والغربية هذا النوع من الزواج، غالباً لأسباب طبية وصحية بالدرجة الأولى.
المقترح المطروح حالياً، والذي سيدخل حيّز التنفيذ في حال إقراره ابتداءً من الأول من يوليو المقبل، سيؤثر بشكل كبير على فئات واسعة من الناس، خصوصاً مجموعات دينية وعرقية لا ترغب بما يمكن تسميته بـ “تغريب النكاح”، وتفضّل الحفاظ على تماسكها الداخلي وعدم الذوبان، من خلال عدم تشجيع الزواج خارج الطائفة. ولكن النقطة الأخطر لا تتعلق بالقانون وحده، بل بما يحيط به.
الخوف من الحديث عمّا نفكر به، ومن التعبير عن رأينا بحرية، قد يكون “عادة” حملناها معنا من بلداننا الأصلية، ولم يتمكن بعضنا من التخلص منها بسهولة. هذه ظاهرة تحدثنا عنها مراراً. واليوم، ونحن في عام انتخابي، من الضروري التوقف عندها مجدداً، مع التأكيد على أن المشاركة الديمقراطية لا تعني فقط الذهاب إلى صناديق الاقتراع مرة كل أربع سنوات.
عندما حاولنا إجراء تحقيق صحفي لرصد آراء وردود فعل المتضررين المحتملين من هذا القانون، اصطدمنا بعقبة لافتة: الخوف. كثيرون يخشون التعبير عن رأيهم في قضية تمس حياتهم الخاصة مباشرة. يعتقد بعضهم أن مجرد الظهور الإعلامي قد يجعلهم تحت المراقبة، أو يؤدي إلى تعقيد أوضاعهم، أو حتى ملاحقتهم.
هذا يحدث في وقت تحاول فيه منظمات حقوقية ومدنية، وحتى أحزاب سويدية أخرى، الوقوف في وجه هذا الخيال التشريعي الذي يضيّق على حريات الناس. المفارقة أن هذه الجهات، التي تسعى للدفاع عن اللاجئين والمهاجرين، لا تجد تمثيلاً حقيقياً لهذه الفئات داخل هياكلها. فتبدو وكأنها تدافع وحدها عن مجموعات لا تشارك فعلياً في أي جهد منظم للدفاع عن نفسها.
الحكومة السويدية تبرر المقترح بأنه يأتي في إطار مكافحة ما تسميه “قمع الشرف”، وتعتبر أن منع زواج الأقارب خطوة في هذا الاتجاه. غير أن مجلس القوانين السويدي، Lagrådet، شكك في أن يؤدي هذا الحظر إلى تقليل جرائم الشرف فعلياً .
نحن نفهم تماماً خطورة حالات الزواج القسري، وخطورة الجرائم والتجاوزات التي تقترف باسم الشرف، ولكن ربط زواج الأقارب تلقائياً بالزواج القسري وبجرائم الشرف ليس علاقة حتمية، إلا في ذهن أصحاب هذا الخيال التشريعي.
لا نعلم إذا كان المشرعون سيأخذون بملاحظات مجلس القوانين الذي انتقد بشكل خاص فكرة تطبيق الحظر بأثر رجعي على زيجات عُقدت خارج السويد قبل دخول القانون حيّز التنفيذ، ولكن نعيد السؤال اين هو رأي المتضررين؟ وهل صوتهم مسموع أو موجود أصلا؟
بعد نحو تسعة أشهر، ستولد في السويد حكومة جديدة. الجميع يملك حق المشاركة في رسم ملامحها، وفي تحديد توجهات من سيحكم ويمتلك التفويض لاتخاذ قرارات باسمنا جميعاً. لكن إذا لم يتخلّ بعضنا عن أفكار مسبقة، وفي مقدمتها الخوف من التعبير، فإن النتيجة قد لا تختلف كثيراً عن الانتخابات السابقة، حيث كانت نسبة مشاركة المولودين خارج السويد أقل بكثير من المعدلات العامة .
نحن نتحدث هنا تحديدا عن ضرورة المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والاجتماعية لتمثيل عادل وواقعي لفئات تبدو مهمشة في العملية الديمقراطية، ظاهرة الخوف من التعبير عن الرأي بحرية، والخوف، له علاقة بالجهل بما يكفله لنا القانون من حقوق ديمقراطية. دعونا نساهم في العملية الديمقراطية في هذا العام الانتخابي لنستطيع كبح الخيال التشريعي الذي يتغذى عليه السياسيون ممن وجدوا باللاجئين والمهاجرين قوتا لشعبيتهم…وللحديث بقية ولكن إلى اللقاء
محمود آغا…