أهالت السويد التراب على حقبة أولوف بالمه باختيارها التخلي عن سياسته التي تبنت الحياد، بعد أن أهالت التراب نهائياً على جريمة اغتياله، مع تقديم المحققين رواية قالوا إنها الأقرب للحقيقة، وتسمية القاتل المحتمل.
في هذا العام تأتي ذكرى اغتيال السياسي الأبرز في تاريخ السويد المعاصر، والسويد تدخل مرحلة جديدة تختلف عما أسس له بالمه ليضع السويد على الخريطة العالمية رغم صغر حجمها نسبياً بين الدول العظمى، كل ذلك وبعد مرور 37 عاما لا يزال السؤال من قتل بالمه هو الأبرز؟ وكان للسؤال أكثر من صدى. هل كان القاتل شخصاً تصرف بمفرده أم دولة أم أن السبب هو خطاب كراهية؟ وهل كان المقصود بالقتل، بالمه أم سياسته المحايدة ودفاعه عن المساواة في السويد ومناصرته للتحرر في العالم؟
بقي السؤال معلّقاً، حتى بعد الكشف عن القاتل المفترض. تقنياً، يبحث الجميع عن أدلة دامغة، وحقيقةً فإنهم يبحثون عن بالمه نفسه.
“خطاب الكراهية الذي قتله مازال منتشراً اليوم”، هكذا قال ابنه هرباً من جراح الشخص إلى جراح الشعب. وهذا ما أحب السويديون بالمه لأجله.
كانت المساواة بين البشر، وبين الجنسين، والتصدي لكراهية الأجانب عناوين لشخصية بالمه.
عرفه الفلسطينيون مناصراً لقضيتهم حين كان العالم يراهم إرهابيين. وعرفه الجنوب إفريقيون مناهضاً للفصل العنصري حين كانت العنصرية عادة. وعرفه الفيتناميون حين انتقد القصف الأمريكي بصوت عال. وعرفه التشيكيون حين انتقد غزو الاتحاد السوفييتي. وبالمقابل كان للرجل أعداء كثر.
“في مثل هذا اليوم 28 فبراير 1986 خرج رئيس وزراء السويد أولف بالمه مع زوجته في ليلة الجمعة لحضور فيلم سينمائي لكنه لم يعد أبداً.
كان بالمه شخصية مثيرة للجدل وصريحاً بطرح آرائه داخل السويد وخارجها، أثناء ولايته الثانية لإدارة بلاده. ومع ذلك كان يصر على العيش حياة طبيعية قدر المستطاع. ويبدو أنه في تلك الليلة طلب من مسؤولي حمايته كما جرت العادة أغلب الأحيان الانصراف.
وقبل حلول منتصف الليل بقليل، أثناء عودتهما إلى منزلهما سيراً على الأقدام، أصيب رئيس الوزراء بعيار ناري في ظهره من مسافة قريبة، فسقط ميتاً على الأرض. وأطلقت رصاصة أخرى على زوجته ليزبت لكنها نجت.
ورغم تمسك زوجته بأنها تعرفت على القاتل وهو كريستر بيترشون فإن المحكمة برأته لعدم توفر الأدلة. مند أيام قليلة خرج فيلم وثائقي جديد يؤيد ما أصرت عليه زوجة بالمه وهو أن القاتل هو كريستر بيترشون وليس الرجل الذي ذكره التحقيق عند غلق ملف القضية.
لقد تدخل في العالم أكثر مما ينبغي، هكذا يعتقد أنصار نظريات المؤامرة الكثيرة حول مقتله.
والمؤامرة نفسها كانت حاضرة حتى حين إغلاق القضية. فهذا هو القاتل “ولا أدلة لدينا على مؤامرة”، لكننا “لا نستبعدها”. جملة وردت في نتائج التحقيق ستبقي الأفق مفتوحاً لكتب وتحليلات لا نهاية لها، مرةً عن إسرائيل كقاتل محتمل، وأخرى عن بقايا نظام الفصل العنصري، وثالثة عن الإمبريالية.. وغيرها.
لم يكن أعداء الرجل في الداخل أقل عدداً. زاد بالمه قوة النقابات العمالية ووسّع كثيراً الرعاية الصحية والرفاه الاجتماعي، وسحب السلطات من النظام الملكي.
غير أن بالمه كان يقول “لست نادماً، لأني مضطر للتحدث بصوت عال لجعل كل شخص في هذا العالم يسمع. لا يمكنني السكوت عن هذه القضايا ولا أحد يستطيع إجباري”.
في وسط ستوكهولم أسكتته رصاصة، ظلت السويد تبحث عمن أطلقها طويلاً. دفعت كثيراً من الوقت والمال والجهد لتحصل على إجابة. أما وقد حصلت عليها دون إثباتات عندما قررت غلق الملف بعد 34 عاماً على حادثة الاغتيال فإنها ستستمر في البحث عن بالمه نفسه.