الكومبس- خاص: يعدّ الصابئة المندائيون أحد مكوّنات المجتمع العراقي، وامتداداً تاريخياً للحضارات القديمة التي نشأت في بلاد ما بين النهرين، مثل الحضارات البابلية والأكادية والآشورية. ويتركز أتباع هذه الديانة تاريخياً في جنوب العراق وجنوب إيران، ويتمتعون بخصوصية دينية ولغوية، إذ يتحدثون اللغة المندائية، وهي إحدى أقدم اللهجات الآرامية التي لم يطرأ عليها تغيير يُذكر عبر القرون. ويُقدَّر عددهم اليوم بنحو 60 ألف شخص حول العالم، من بينهم قرابة 17 ألفاً يقيمون في السويد.

الصابئة المندائية هي ديانة غير تبشيرية لذلك تعتبر المعلومات المعروفة عنها قلقة بالنسبة لكثيرين.

الكومبس زارت أحد دور العبادة المندائية (المندي) في مدينة دالبي التابعة لبلدية لوند جنوب السويد، والتقت بالكنزبرا سلوان شاكر خماس، رئيس الديانة المندائية في السويد، والترميذا مكسيم بسيم السعيدي من مندي دالبي، للحديث عن الديانة المندائية من الجذور إلى الامتداد، مروراً بالعقائد والعبادات والصلوات والعادات الاجتماعية والتقاليد الدينية.

شاهد المقابلة في الفيديو أعلاه

الجذور التاريخية والأنبياء

ترجع جذور الديانة المندائية، وفقاً لرجلي الدين، إلى عصور موغلة في القدم. ويؤمن المندائيون بأن نبيهم الأول هو آدم، ثم شيت بن آدم، ثم سام بن نوح، وصولاً إلى آخر أنبيائهم يحيى ياهانا (يحيى بن زكريا). وتشير الروايات الدينية إلى أن نشأة المندائيين كانت في بيئة الأنهار، نظراً للمكانة المركزية للماء الجاري في عقيدتهم وطقوسهم.

الماء الجاري… جوهر العقيدة والطقس

يقول الكنزبرا سلوان شاكر للكومبس إن الماء الجاري يشكّل الركيزة الأساسية في الديانة المندائية، إذ يُنظر إليه على أنه مكنون إلهي ومصدر الحياة الأول. ومن هذا المفهوم ينبثق أهم طقس ديني، وهو المصبّتة (التعميد)، التي لا يُعدّ الإنسان مندائياً دون أدائها.

ويُشبَّه شاكر الماء الجاري بالرحم الإلهي الذي تُغسل فيه الذنوب، وتُمنح فيه ولادة روحية جديدة، ويعود الإنسان من خلاله إلى صفاء الخلق الأول. ويضيف أن هذا الارتباط الوثيق بالماء جعل الوجود التاريخي للمندائيين يتركز في بلاد ما بين النهرين، ثم امتد لاحقاً إلى أورشليم (القدس) وعلى ضفاف نهر الأردن، حيث كان النبي يحيى بن زكريا يُجري طقوس التعميد.

الكتاب المقدس ولغته

الكتاب المقدس لدى الصابئة المندائيين هو الكنزا ربا (الكنز العظيم)، ويُعرف أيضاً باسم سدرة آدم. ويقول الترميذا مكسيم السعيدي إن الكتاب يتكوّن من قسمين رئيسيين: القسم الأيمن ويضم تعاليم آدم والصحف القديمة. القسم الأيسر ويتناول “النشمثا” (نسمة الحياة) ورحلتها إلى عالم الأنوار بعد الموت، إضافة إلى طقوس الوفاة.

وكُتبت جميع الكتب الدينية باللغة المندائية الآرامية، وهي لغة تُكتب دون تنقيط، وتُعد من أقدم اللهجات الآرامية الباقية حتى اليوم.

مفهوم الإيمان وأركانه

يتحدث الكنزبرا سلوان شاكر عن مفهوم الإيمان وأركانه بالقول “يؤمن الصابئة المندائيون بإله واحد يُسمّى الحيّ العظيم أو هيي ربي، وهو إله أزلي، متعالٍ عن الخلق، لا يُشبه المخلوقات ولا يُشرك معه أحد”. ويقوم الإيمان في الديانة المندائية على المعرفة والاقتناع، إذ تُعد معرفة “الحي” أساس الإيمان الحقيقي، وتُعد الحياة ذاتها الدليل الأكبر على قدرته وعظمته.

الصلوات والعبادات

تُؤدّى في الديانة المندائية ثلاث صلوات يومية:

1-صلاة الفجر عند بزوغ الشمس.
2-صلاة الظهر بعد سبع ساعات من الفجر.
31 صلاة العصر قبل الغروب.
ولا تُؤدّى الصلاة إلا بعد طقس الوضوء المعروف بـالرشامة، ثم تُؤدّى الصلاة التي تُسمّى البرخة، كما يوضح الترميذا مكسيم السعيدي.

مراتب رجال الدين

تتدرج المراتب الدينية في الديانة المندائية من الأدنى إلى الأعلى على النحو الآتي: الإشكندة، ثم الترميذا، ثم الغنزبرا، وصولاً إلى الرشمة (الريشما)، وهو رئيس الأمة الدينية. وتُكتسب هذه الرتب عبر دراسة معمّقة للنصوص الدينية وإتقان اللغة واللاهوت المندائي، ولا تُمنح اعتباطاً. ويرأس الأمة المندائية في العالم حالياً الريشما ستار حبار الحلو في العراق، فيما يرأسها في أستراليا الريشما صلاح الشُحيلي.

الأعياد والمناسبات الدينية

لدى الصابئة المندائيين أربع مناسبات دينية رئيسية:

1-دهوة ربا (العيد الكبير) في شهر يوليو.
2-دهوة هنينية (العيد الصغير) في نهاية أكتوبر.
3-الأيام الخمسة البيضاء في شهر مارس.
4-دهوة ديمان، وهو المصبتة يوم التعميد.
وتُمثّل هذه الأعياد دورة الحياة الروحية والاجتماعية في الديانة المندائية.

مشكلة “حظر زواج الأقارب”

يقول الترميذا مكسيم السعيدي إن الشريعة المندائية تُحرّم تعدد الزوجات إلا في حالات نادرة ووفق شروط صارمة، كما لا تجيز الزواج من خارج الديانة. فيما يقول الكنزبرا سلوان شاكر إن المندائيين يحترمون حرية الأديان فمن يعتنق ديناً آخر يخرج عن المنادئية، والمندائي يجب أن يكون مولوداً من أبوين مندائيين.

وكانت الحكومة السويدية اقترحت حظر زواج الأقارب أبناء العمومةوالأخوال اعتباراً من 1 يوليو المقبل. ويؤكد الترميذا مكسيم بسيم السعيدي أن المندائيين في السويد يحترمون القوانين السويدية ويلتزمون بها، لكنه يوضح أن الطائفة المندائية قليلة العدد عالمياً وفي السويد، ما يجعل الروابط العائلية متقاربة ويصعّب تجنب القرابة بشكل كامل.

ويشير إلى أن كثيراً من أبناء الطائفة، خصوصاً في السويد، ابتعدوا فعلاً عن زواج الأقارب تفادياً للأمراض الوراثية، وأن الوعي بهذا الموضوع موجود ويتم التأكيد عليه في اللقاءات الدينية والاجتماعية. غير أن الإشكالية تكمن في محدودية العدد، ما يطرح تساؤلات حول مدى التزام الجميع بهذا التوجه وإمكانية تطبيق القانون عملياً.

ويطالب بوجود حوار بين الحكومة والطوائف الصغيرة العدد، لإيجاد آليات لتطبيق القوانين بطريقة تراعي خصوصية هذه الأقليات وتكون قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

التوزع السكاني والرموز

يُقدَّر عدد الصابئة المندائيين في العالم بين 50 و60 ألف نسمة، ويتوزعون في بلدان عدة، أبرزها العراق، إيران، أستراليا، السويد، ألمانيا، وهولندا. وتُعد السويد وأستراليا من أكبر التجمعات المندائية في المهجر.

ويشير الكنزبرا سلوان شاكر إلى أن عدد المندائيين في السويد بلغ 14 ألفاً وفق إحصاء عام 2016، ويُتوقع أن يصل اليوم إلى نحو 17 ألف مندائي.

أما الرمز الديني الأبرز فهو الدرفش، وهي راية دينية تُستخدم في الطقوس الكبرى، ولا سيما التعميد. ويرمز اللون الأبيض إلى السلام والنور، فيما يرمز اللون الأخضر ونبات الآس إلى التجدد واستمرارية الحياة.

شادي فرح