جيمي أوكيسون في الحكومة ووزيراً للهجرة… هذا قد يحدث إذا فازت أحزاب اليمين في انتخابات سبتمبر المقبلة. سياسيون لديهم أرشيف كامل من التصريحات “العنصرية” قد يصبحون وزراء في السويد. عندها، لن نتحدث فقط عن تشديد في السياسات، بل عن احتمال استخدام أدوات الدولة وقوانينها للتأثير في الهوية والانتماء، وما يعنيه ذلك من تراجع أكثر لقيم مثل المساواة وحقوق الإنسان وحرية العبادة أمام المد اليميني الشعبوي.
استطلاعات الرأي اليوم لا ترجّح فوز اليمين، وغالباً ما تمنح كتلة الحمر الخضر هامش تقدم على حساب اليمين. غير أن التجارب السابقة تُظهر أنه كلما اقترب موعد الانتخابات، يتقلص الفارق بين الكتلتين، وقد ينقلب المشهد بالكامل خلال أيام. ففي بلد يتغير مزاجه السياسي بسرعة مثل السويد، لا شيء محسوم.
هذه الانتخابات تحمل خصوصية لافتة. حزب ديمقراطيي السويد (SD) لم يعد مجرد حزب داعم من الخارج، بل أصبح الطريق ممهداً أمامه لدخول الحكومة بوزراء فعليين وقرارات مباشرة.
تخيلوا أن شخصاً بعقلية وتفكير جيمي أوكيسون، الذي صرّح بأنه يجد صعوبة في اعتبار المسلم الملتزم دينياً جزءاً من الهوية السويدية، قد يصبح وزير هجرة لكل السويديين، بمن فيهم نحو مليون مسلم. ولا ننسى أنه دعا أيضاً إلى وقف بناء المساجد، وطرح أفكاراً تتعلق بهدم أو مصادرة بعضها. فهل هذا مجرد رأي سياسي؟ أم بداية لإعادة تعريف من يُعتبر “سويدياً” وفق معاييره ومعايير حزبه؟
بالطبع، لم تقتصر ردود الفعل على المسلمين فقط، بل صدرت انتقادات حادة من سويديين اعتبروا أن مثل هذه التصريحات لا تمثل القيم السويدية، بل ذهب البعض إلى القول إن هذه الأفكار نفسها هي التي لا يمكن اعتبارها “سويدية”.
تخيلوا أيضاً أن شخصاً مثل ريكارد يومسهوف قد يصبح وزيراً للعدل. وهو الذي قال صراحة إن الإسلام “دين مقرف” على حد تعبيره. ومن المفترض أن يكون وزير العدل مسؤولاً عن حماية القانون وضمان حقوق الجميع، لكن يومسهوف يحمل موقفاً مسبقاً من دين يعتنقه مئات الآلاف في السويد. فهل نحن أمام حياد مؤسسات الدولة… أم أمام إعادة توجيهها؟
وإذا وسعنا الدائرة، نجد شخصيات أخرى مرشحة لتولي مناصب وزارية، مثل لودفيغ أسبلينغ، الذي يرى أن كثيراً من المهاجرين يفشلون في الاندماج ويعتبر المهاجرين مشكلة تملأ بها أحزاب اليسار السويد، أو توبياس أندرشون، الذي رفع بوجه المهاجرين صورة ساخرة حين كتب على صورة قطار: “المحطة القادمة كابول”.
كما قلنا، هناك أرشيف كامل من التصريحات التي يعتبرها كثيرون صادمة ومقلقة بل و”عنصرية”، صدرت عن شخصيات مرشحة لتولي مناصب وزارية. وهي لا تعبر عن زلات لسان، بل عن خطاب ونهج متكامل.
قد يعتقد البعض بأن وصول مثل هذه الشخصيات يشكل خطراً على فئة محددة من المهاجرين فقط، لكن في الواقع، قد يمتد التأثير ليطال المجتمع بأكمله، عاجلاً أم آجلاً.
نحن أمام احتمال استخدام أدوات الدولة، مثل القانون والسياسات والمؤسسات، ليس فقط لتنظيم السلوك وضمان احترام القوانين، بل أيضاً للتأثير في مسألة الهوية والانتماء. بمعنى آخر، قد لا يقتصر دور الدولة على إدارة الهجرة وضمان الأمن، بل يمتد إلى تحديد ما هو “مقبول ثقافياً”، وما هو “غير مقبول”، ومن يُعتبر منتمياً فعلاً إلى المجتمع، ومن يُنظر إليه كـ”خارج” أو “غير مندمج”.
صحيح أن هناك أحزاباً، حتى من اليسار والوسط، تدعو إلى تشديد شروط اللجوء والإقامة ضمن إطار قانوني، وهذا أمر قد يكون مفهوماً وقابلاً للنقاش ضمن سياسات الهجرة في أي دولة. لكن عندما يتحول النقاش إلى القول إن ديناً معيناً “لا ينتمي للسويد”، أو إلى الدعوة لإزالة رموزه من الفضاء العام، أو الترويج لفكرة أن معظم المهاجرين غير قابلين للاندماج، فإننا ننتقل من تنظيم القانون إلى محاولة التأثير في الهوية نفسها.
وهنا يتحول النقاش من إدارة المجتمع إلى إعادة تعريفه: من هو السويدي؟ وما هي الثقافة المقبولة؟ وأي أشكال التدين يمكن قبولها؟
في النهاية، تبقى صناديق الاقتراع في سبتمبر هي الحكم، وهي من ستحدد من يشكل الحكومة المقبلة، ويحدد شكل السويد المقبل، ضمن نظام ديمقراطي يتيح للجميع المشاركة والتأثير في النتائج. …وللحديث بقية.. ولكن إلى اللقاء.