وقفت اليوم سيمونا محمدسون أو سيمونا موهامسون، في صف واحد إلى جانب رؤساء الأحزاب السويدية، ومنهم رئيس الوزراء رئيس حزب المحافظين أولف كريسترشون ورئيس حزب SD جيمي أوكيسون. فتاة في الثلاثين من عمرها وصلت إلى السويد لاجئة مع أهلها وهي في عمر سبع سنوات، تتزعم اليوم واحدًا من أكثر الأحزاب السويدية عراقةً وقدمًا.
حزب الليبراليين، الذي تأسس في العام 1902، اختار اليوم فتاة من أصول مهاجرة، والدها فلسطيني وأمها لبنانية، حزب يميني معروف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل وبسياساته القريبة من السياسات الأمريكية.
حدث قد يراه كثيرون غير طبيعي، أو على الأقل مثيراً للتساؤلات، ولكن هناك من يراه أيضاً حدثاً منطقياً، يتوافق مع البيئة السويدية ويتناسب مع توجهات الليبراليين… أهلاً بكم.
“قصتي ليست شيئًا أتى تلقائيًا أو كأمر مفروغ منه، بل هي قصة تحدٍّ للظروف وتحقيق لما كان يُعدّ مستحيلًا.”
هكذا ردّت سيمونا على وصف صحيفة سويدية لقصة صعودها الصاروخي من فتاة مهاجرة إلى رئيسة حزب سويدي عمره أكثر من 120 سنة. الرد جاء أمام جمهور أسبوع ألميدالين السياسي الذي بدأ أمس. ظهور الرئيسة الجديدة لحزب الليبراليين بدا مقنعاً، خصوصاً أن العديد من رفاقها في الحزب قالوا إنها تتمتع بشخصية قيادية وتعرف ماذا تريد أن تحققه من أجل حزبها ومن أجل السويد.
سيمونا ليست السياسية الوحيدة من أصول فلسطينية التي تصل إلى قيادة حزب سويدي، كانت قبلها القيادية في حزب البيئة إيفون روايدة (Yvonne Ruwaida)، وهي سياسية سويدية بارزة، وُلدت أيضًا في ألمانيا العام 1970 لأم ألمانية وأب فلسطيني.
وسيمونا موهامسون ليست الرئيسة الأولى لحزب الليبراليين من أصول مهاجرة، سبقتها نيامكو سابوني، أول امرأة من أصول أفريقية تقود حزباً برلمانياً في السويد، واستمرت ولايتها من العام 2019 إلى 2022. ولا ننسى أن حزب الوسط كان لديه رئيس من أصول تركية، وأن حزب اليسار تقوده امرأة من أصول إيرانية.
من الصعب عقد مقارنات بين تجارب سياسيين من أصول مهاجرة وصلوا لمراكز قيادية في الأحزاب والحكومات السويدية، لأن لكل تجربة خصوصيتها، ولكن من المفيد الاطلاع على هذه التجارب إذا أردنا أن نفسر كيف يمكن للبيئة الاجتماعية والتركيبة السياسية في السويد أن تسمح للمهاجرين بدخول باب السياسة، وهل فعلاً يوجد خطوط معينة أو شروط واضحة لصعودهم إلى مراتب عليا؟
للأسف هناك من يلتبس عليه الجواب على سؤال مهم: ما هي القضية الرئيسة التي يدخل من خلالها الأشخاص عادةً في السياسة، خصوصاً منذ صغرهم؟ هل يجب على كل مهاجر في السويد أن يحمل معه قضايا دولته أو شعبه أو منطقته الخاصة، ويضعها ضمن أولوياته في السياسة السويدية؟
طبعًا هذا ممكن، ولكن ليس شرطاً، لأن المهاجرين في السويد هم جزء من المجتمع، وعندما يفرز هذا المجتمع سياسيّاً من أصول مهاجرة، فهو بحاجة إلى أن يكون منخرطًا ومهتمّاً أولاً بالقضايا السويدية.
جمال الحاج، عضو البرلمان السويدي الحالي، دخل إلى السياسة من باب النقابات، وليس لأنه من أصول فلسطينية أو إسلامية أو عربية، وليس على هذا الأساس رشّحه الحزب الاشتراكي الديمقراطي ليكون عضوًا في البرلمان. ولكن هذا لا يمنعه بطبيعة الحال من أن يكون له مواقف تتناسب مع حزبه في القضايا الدولية، قبل أن يصبح مستقلاً.
نيامكو سابوني مثلٌ آخر مختلف، هي دخلت السياسة من باب التصدي لثقافة الشرف واضطهاد المرأة، وعندما أصبحت وزيرة مرتين في السويد، كانت مواقفها متشددة أكثر من السويديين في وضع شروط الاندماج.
فيما دفع غضب الطفلة وقتها نوشي دادغوستار من غلاء السكن وعدم قدرة أهلها على تحمّل نفقات الإيجار إلى دخول السياسة من باب حزب اليسار، الذي أصبحت رئيسة له.
ربما كانت تجربة إيفون روايدة مختلفة، لأن قضيتها الأولى، إلى جانب قضايا البيئة، تركزت على تحقيق العدالة الإنسانية ومناصرة القضية الفلسطينية.
لذلك لا يمكن لأحد أن يتوقع من سيمونا موهامسون، فقط لأن والدها فلسطيني، أن تغير مواقف الحزب المتعلقة بالشرق الأوسط والسياسة الخارجية. هي دخلت السياسة واختارت التوجه الليبرالي من أجل قضايا سويدية بحتة، وهذا شيء طبيعي ومنطقي.
وهنا تظهر “ولكن” أخرى، وهي أن الشيء غير المنطقي محاولة السياسي من أصول مهاجرة أن يكون، كما يقال، “ملكيًا أكثر من الملك”، وأن يسعى لإثبات انتمائه للنخبة السويدية من خلال التطرّف في مواقفه، كما يفعل مثلًا حنيف بالي أو عدد من أعضاء حزب SD من أصول مهاجرة. وهذه ظاهرة تستحق التناول أيضًا.
على كل الأحوال، يجب أن نهنئ هذه الشابة المثابرة والطموحة على نجاحها في الوصول إلى رئاسة الليبراليين، ويجب أن نوجه التحية لوالدها ولوالدتها على نجاحهما في تحفيز ابنتهما الطفلة منذ صغرها على الانخراط في المجتمع، وعلى التحلي بالصبر والإصرار على النجاح.
قصة سيمونا، التي دخلت فصلًا جديدًا الآن، قد تُلهم كثيراً من الآباء والأمهات على تشجيع أبنائهم على الانخراط بالعمل السياسي والمجتمعي، وعلى مساعدتهم في تفسير مقولة “لا يوجد مستحيل مع العمل”، وفي بداهة “لا تبقَ على الهامش وتكتفي بالشكوى والتذمّر”.
هُنا نُعِيدُ ما قالَتهُ سِيمونا اليَومَ أَمامَ أُسبوعِ أَلميدالين:
“قصتي ليست شيئًا أتى تلقائيًا أو كأمر مفروغ منه، بل هي قصة تحدٍّ للظروف وتحقيق لما كان يُعدّ مستحيلًا.”