يحتدم النقاش هذه الايام بين العرب على وسائل التواصل الاجتماعي حول قبلة راغب علامة لإحدى المعجبات، وينقسم المحتدمون فيما بينهم حول صحة قرار منعه من الغناء في مصر بسبب هذه القبلة، يحدث ذلك فيما يموت الناس من شدة الجوع في غزة، أو بصورة أدق يموتون من قسوة التجويع المصاحب لكل أشكال القتل والدمار، وكأن هذا النوع الجديد والمبتكر من القتل أصبح عاديًا وروتينيًا، بعد أن وجد – كما يبدو – القادة العسكريون طريقة مبتكرة للقتل، طريقة أقل كلفة بعد أن جرّبوا كل أصناف الأسلحة حتى الآن، وسط صمت يصل إلى حد التواطؤ… خاصة صمت ما يُسمى بالعالم الحر. ومع ذلك، هناك من يقول: لماذا نلوم الغرب والسويد تحديدًا، فيما يلتهي العرب عن غزة بالاختلاف حول قبلة راغب علامة… أهلاً بكم.

مقولة “أين العرب والمسلمون؟ ولماذا نلوم السويد والغرب؟” لا تُعفي أبدًا لا السويد ولا أي دولة غربية أخرى من مسؤوليتها الإنسانية والسياسية في وقف القتل في غزة، حتى أمام الصمت العاجز لـ57 دولة عربية وإسلامية.

تتكرر هذه الحجة على لسان بعض المعلقين في كل مناسبة لتبرير المواقف المتخاذلة التي تقوم بها الحكومة السويدية، أو حتى لتخفيف خطر التصرفات والنزعات العنصرية في المجتمع، من خلال عقد مقارنات غير عادلة أو منطقية بين الدول العربية والسويد. وكأن هؤلاء، أصحاب نزع اللوم عن السويد، لا يعرفون أن السويد ناضلت كثيرًا وقدّم شعبها الغالي والنفيس حتى أصبحت دولة ديمقراطية تتمتع بقيم الحرية الليبرالية.

المفارقة إذًا أن بعض المهاجرين يريدون إرجاع السويد إلى مستوى الدول الديكتاتورية أو الناشئة من خلال هذه المقارنات، وهم يقفون على الجانب الخاطئ في الصراع السياسي الذي تخوضه السويد حاليًا: صراع بين أحزاب تريد الحفاظ على التعددية الثقافية وروح التسامح والمساهمة في القضايا الدولية، وبين أحزاب أخرى في المعسكر اليميني تسعى إلى تحويل السويد إلى مجتمع طبقي وأحادي ومنعزل وغير مهتم بالقضايا الدولية أو الإنسانية.

على من يريد التبرير للسويد بعدم تحركها الكافي – هي والدول الغربية الأخرى – لوقف التجويع والإبادة في غزة، بحجة أن العرب والمسلمين أولى بذلك، أن ينظر من حوله جيدًا ليقتنع ويتذكر أنه يعيش في السويد ويختار إلى أي جانب يريد أن ينحاز في هذا الصراع السياسي.

يقول الباحث التونسي فوزي البدوي في إحدى مقابلاته: “من السهل على الحكومات تكوين مهندسين وأطباء، ولكن من الصعب جدًا على هذه الحكومات أن تكوّن مواطنًا واعيًا.”ِ

لهذا يجب أن نعترف بأن الشهادات العلمية والأكاديمية التي يحملها بعض المهاجرين القادمين إلى السويد ليست كافية للوصول إلى درجة الوعي بالمواطنة السويدية، وهناك من لا يزال يخلط بين مفهوم المواطنة وبين الحق في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية. لذلك، السويد – وكما نلاحظ – لا تسعى إلى جعل كل سكانها أكاديميين، ولكن تحاول بكل قوة أن تخلق نموذج “المواطن الواعي” الذي يعرف حقوقه، ويقوم بواجباته، ويثق بمؤسسات الدولة، ويعرف ما هو دور الصحافة، وكيف ينتقد، وكيف يعارض، وكيف يعبّر عن رأيه.

يقول لي أحد الأصدقاء السوريين إن النظام السابق قدّم مجانية التعليم الجامعي لجميع المواطنين وساهم في تخريج أفضل الأطباء والمهندسين. قلت له فقط إن ما يحدث في سوريا الآن هو نتيجة طبيعية لما لم يسمح به النظام منذ عشرات السنين، وهو عدم ممارسة السياسة ولا حتى الحديث عنها. ما يحدث في سوريا اليوم هو نتيجة كثرة التعليم الأكاديمي وقلة الوعي السياسي.

غياب مفهوم المواطنة القوية والشاملة أدى إلى ما شاهدناه من قتل بعض السوريين بعضهم البعض بأبشع ما يمكن تصوره، حالات لا تمت لسوريا ولا لحضارتها بأي صلة، وكأن هذا البعض – وبغض النظر عن انتمائه – يخرج ليس فقط عن وطنيته، ولا فقط عن المبادئ الدينية، بل يخرج عن إنسانيته.

الخروج عن الإنسانية لا يقتصر على الدول الناشئة التي سُلّطت عليها سيوف الجهل والقهر والتدخل الخارجي، بل نشاهد هذا الانحراف في المجتمعات الغربية أيضًا، حيث تحاول النخب السياسية الجديدة الحاكمة إلهاء شعوبها بصناعة قضايا رأي عام معلبة. فليس العرب وحدهم من يلتهون بتداعيات قبلة راغب علامة، بل ينشغل الرأي العام والصحافة في أمريكا الآن بسؤال سطحي ظاهره أخلاقي، ولكنه في حقيقته نوع من صناعة مواد إعلامية مثيرة: هل مارس الرئيس ترامب الجنس مع فتيات تحت السن القانوني قبل أن يصبح رئيسًا؟ الموضوع وصل لحد إعلان رئيس مجلس النواب الأمريكي عن إغلاق البرلمان أشهر لتفادي بحث قضية مغامرات ترامب العاطفية.

فيما تلتهي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط – حسب وصفها لنفسها – بجَرّ نتنياهو إلى المحاكم، ليس بسبب تهم جرائم الحرب والإبادة، بل بسبب هدايا بقيمة 200 ألف دولار تلقاها من رجال أثرياء مقابل تقديمه تسهيلات ومساعدات لهم… محاولة تشتيت انتباه الرأي العام الإسرائيلي والعالمي بمحاكمة بسبب 200 ألف دولار هدايا لكي تصبح أهم من محاكمته بتهم الجرائم والإبادة الجماعية، وأهم من مسؤوليته عن استمرار الحرب العبثية وتهديد أكثر من مليوني إنسان بالقتل جوعًا أو قصفًا أو قهرًا. صناعة مثل هذا الخبر وتضخيمه يأتيان لحرف انتباه الإسرائيليين عن المطالبة بعودة أسراهم، وبوقف الحراك الذي بدأ داخل المجتمع الإسرائيلي يطالب بوقف الحرب لدواعٍ إنسانية وحتى وطنية.

لا يمكن تجاهل المد المتنامي لحركات التضامن العالمية في أوروبا ومعظم الدول الغربية، مد يقوده أشخاص وجهات حريصون على عدم ضياع مبادئ وقيم المجتمعات التي يعيشون بها، وفي الوقت نفسه يخافون على فقدان الإنسانية لإنسانيتها. أهم ما يريد أن يقوله هذا المد التضامني مع الجياع المنسيين في غزة هو: لا لصناعة واستهلاك قضايا رأي عام مصطنعة تهدف إلى إلهاء الناس عن قضايا الإنسانية وقضايا العدالة الدولية. فقبلة راغب ليست علامة في المواقف الإنسانية… وللحديث بقية، ولكن إلى اللقاء