لماذا يحقق جيمي أوكيسون مزيدًا من الشعبية؟ الإجابات الكارثية
رامي وإيريك كلاهما من ضحايا خطاب اليمين الشعبوي
سؤال يدور في أذهان العديد من الناس: لماذا تحقق الأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة هذه الأيام شعبية متزايدة في السويد وأوروبا؟ ولماذا شخص مثل ترامب، المحسوب أيضًا على اليمين الشعبوي بكل تناقضاته وتصريحاته الفوقية، يحكم أقوى دولة في العالم؟ هنا المشكلة ليست في السؤال، بل المشكلة الحقيقية في الإجابة… أهلاً بكم.
إذًا السؤال المباشر الذي نسمعه في الفترة الأخيرة: كيف ولماذا أصبح حزب ديمقراطيي السويد SD ثاني أكبر الأحزاب في البلاد؟ وهل سنرى جيمي أوكيسون قريبًا رئيسًا لوزراء السويد؟
وكما قلنا، المشكلة ليست دائمًا في السؤال، فمن حق الجميع طرح الأسئلة والاستفسارات، ولكن المشكلة تكمن في الإجابات التي يحاول البعض طرحها، أو ربما فرضها وتسهيل تسويقها… من هذه الإجابات مثلًا: الشعب السويدي كله عنصري ويتحول نحو العنصرية، لذلك كلهم يكرهون المهاجرين وينتخبون الـ SD. جواب آخر يقول لك إن “القوى الماسونية التي تقود العالم هي من وضعت ترامب في مكانه، وهو يقوم بمهامه ويمثل أدواره مع بقية الزعماء لإنجاز المسرحية”.
في حديث لي مع رامي، وهو (اسم مستعار) لابن أحد المعارف من جيل اللاجئين الذين نشؤوا في السويد، قال لي إنه يتفهم جيمي أوكيسون، فهذه بلده وهو يريد أن يدافع عن السويد ضد الجريمة، وضد الاحتيال، وضد التيارات الإسلامية المتطرفة… لذلك الناس تحبه وتريد انتخابه.
هذه الإجابة تعتبر كارثية طبعًا، لأنها تأتي من شاب أصوله مهاجرة ومولود في السويد، لكنه يتبنى حرفيًا خطاب اليمين المتطرف. حاولت أن أفهم منه: هل هو يعتبر نفسه من هؤلاء السويديين الخائفين على بلدهم من الأجانب؟ لكنني فوجئت أكثر عندما أجابني: لا، أنا أجنبي وهذه ليست بلدي، وأنا أتفهم السويديين الذين يخافون على بلدهم منا. أي إن الإجابة الثانية جاءت بصورة أكثر كارثية مما أتوقع، عندما وجدت شابًا مولودًا في السويد ولا يشعر بالانتماء إليها.
لا يمثل رامي بالضرورة كل جيله أو حتى جزءًا منه، لكن أتوقع أنه يمثل نموذجًا أو حالة من حالات تأثير الخطاب الشعبوي حتى على ضحايا هذا الخطاب. لذلك سألت هذا الشاب إن كان يعرف ما معنى “الشعبوية” أو populism. بعد عدة محاولات منه للإجابة، أدركت أن رامي لا يملك أدنى معرفة بهذا المصطلح، لذلك قررت أن أكتب هذه الحلقة وأتحدث عن معنى الشعبوية بأسلوب سهل، لعل ذلك يساعد على إيجاد إجابات أكثر واقعية على السؤال: لماذا تزداد شعبية جيمي أوكيسون ودونالد ترامب وغيرهم من أقطاب اليمين الشعبوي؟
أولًا، الشعبوية ليست أيديولوجيا واضحة مثل الاشتراكية أو الليبرالية، بل هي أسلوب في السياسة يقوم على فكرة بسيطة جدًا: مخاطبة العواطف وإخفاء أجزاء من الحقيقة، بدل مخاطبة العقل وإظهار الجوانب الأخرى من الحقيقة. فالشعبوية تعتمد على “نحن” و”هم”، مثل: “نحن الشعب الحقيقي… وهم النخبة أو الغرباء الذين يهددوننا”.
الشعبويون يقسمون المجتمع إلى طرفين: شعب بسيط وصادق في مواجهة نخبة فاسدة، أو مهاجرين دخلاء وغير منتجين، أو مؤسسات بعيدة عن الناس. في أوقات القلق الاقتصادي وارتفاع الأسعار وصعوبة السكن وتزايد الحديث عن الجريمة، يشعر كثير من الناس بأن السياسيين التقليديين لا يسمعونهم. وهنا يأتي الخطاب الشعبوي ليقول:
“أنا أفهم خوفكم… وسأحميكم.”
هذا ما يفسر ارتفاع شعبية اليمين الشعبوي مقابل انحسار التيارات اليسارية، حتى داخل أحزاب اليسار نفسها. وللتبسيط أكثر، خذوا مثالًا يتكرر كثيرًا في السويد: يقال إن المهاجرين يرهقون ميزانية الدولة، وإن إعاناتهم تكلف ملياري كرون سنويًا. قد يكون هذا الرقم صحيحًا جزئيًا، لكن ما لا يقال دائمًا هو أن مئات الآلاف من العاملين في السويد من أصول مهاجرة يساهمون عبر الضرائب والعمل والإنتاج بمئات المليارات سنويًا، ويعملون في المستشفيات والمدارس والنقل والخدمات والتكنولوجيا وفي التجارة والأعمال.
إذا أردنا الحديث بلغة الأرقام: بلغ الناتج المحلي الإجمالي للسويد عام 2024 نحو 6447 مليار كرون. ويبلغ عدد سكان البلاد، كما نعلم، حوالي 10.6 مليون نسمة، منهم قرابة 2.1 مليون شخص مولودين خارج السويد، أي ما يقارب خُمس السكان.
وبحسب معدلات التوظيف، يعمل نحو 63 بالمئة من المولودين في الخارج، لأن ليس كل السكان يعملون، فهناك أطفال ومتقاعدون ومرضى أو عاطلون عن العمل. وبحسابات بسيطة، نرى أن مساهمة المولودين خارج السويد في الاقتصاد السويدي تبلغ نحو 1500 مليار كرون سنويًا. ومن المؤكد أن هذا الرقم ليس دقيقًا تمامًا، لكنه بالتأكيد يعطينا صورة واضحة عن الشعبوية التي تمارسها التيارات المتطرفة.
فقط من خلال النظر إلى الفرق بين رقم المليارين الذي يظهره بشكل متكرر حزب (SD) في خطاباته عن كلفة المهاجرين على المجتمع، مقابل رقم 1500 مليار الذي يخفيه هذا الحزب عندما يتعلق الأمر بمساهمات المولودين خارج السويد في اقتصاد البلاد.
مثال آخر: ربط الجريمة بالهجرة بشكل مباشر. يقال أحيانًا إن العنف سببه المهاجرون. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالجريمة أنواع، ومنها ما هو مرتبط بالفقر والبطالة وضعف المدارس في بعض المناطق، وبالعصابات وتجارة المخدرات والإقصاء الاجتماعي.
الشعبوي يختصر كل هذا في جملة واحدة: “المشكلة هم الغرباء.” وهذا اختصار مريح… لكنه لا يشرح الصورة كاملة. وأحيانًا يتم تضخيم حالة فردية لتصبح دليلًا على ظاهرة كاملة. فإذا ارتكب مهاجر جريمة، تتحول القصة إلى نقاش عن الهجرة كلها. أما إذا ارتكبها شخص سويدي، فتصبح حادثة فردية. هذه هي الانتقائية التي تقوم عليها الشعبوية: اختيار جزء من الحقيقة وتقديمه كأنه الحقيقة كلها.
هل هذا يعني أن كل من يصوت لحزب مثل SD عنصري؟ لا، على الإطلاق. بعض الناخبين يشعرون بالقلق من سرعة التغيير، أو بالغضب من الأحزاب التقليدية، أو بالخوف على مستقبل أبنائهم. الشعبوية تزدهر دائمًا عندما يضعف الشعور بالأمان والثقة.
لذلك، وكما قلنا في مناسبات سابقة، الصراع الذي يريد اليمين المتطرف أن يشاهده هو بين إيريك السويدي العادي قليل الدخل من جهة، وبين رامي المنتمي إلى عائلة عادية مهاجرة من جهة أخرى. كلاهما، حسب ما يريد الشعبويون تصويره لنا، يتصارعان على فرص العمل والتعليم والسكن والرفاه الاجتماعي.
من ناحية أخرى، فهمنا للشعبوية لا يعني تبرير التطرف، ولا يعني تجاهل المخاوف الحقيقية الموجودة في المجتمع، بل يعني أن ننظر إلى الصورة كاملة، وألا نقبل الحلول السهلة لمشاكل معقدة. لأن المجتمعات لا تُبنى بالخوف، بل بالفهم والنقاش والمسؤولية المشتركة.
من أجل إنقاذ رامي وإنقاذ إيريك، وكلاهما من ضحايا الخطاب الشعبوي، علينا أن نؤكد أن هذه التيارات غير مستدامة، وسرعان ما قد ينتبه العالم إلى حالات التضليل التي يمارسها أصحابها، خاصة على من لديهم إجابات كارثية ومتسرعة على السؤال المتكرر: لماذا تزداد شعبية اليمين المتطرف ؟
وللحديث بقية، ولكن إلى اللقاء