الكومبس – كرونيكا: شخصية ترامب وتصرفاته هي من أكثر الأشياء التي تشغل بال أغلب الناس العاديين، وكثيرٍ من السياسيين والمختصين. هل هو مجنونٌ قليلًا؟ أم ذكيٌّ كثيرًا؟ هل هو مريضٌ ومتخبط، أم في قمة قواه العقلية ويعرف ماذا يريد؟ لسنا هنا بصدد وضع ترامب في أي عيادة نفسية، ولكن أكثر الإجابات إقناعًا على تصرفاته، بالنسبة لي على الأقل، هو التفسير الذي وجدته من خلال مراجعة كتاب “استراتيجية الصدمة” للكاتبة الكندية الشهيرة نعومي كلاين.
يتابع العالم، خاصةً في الفترة الأخيرة، أخبار ترامب، بترقبٍ وحذرٍ، وأحيانًا بشيءٍ من السخرية أو الكثيرٍ من القلق. تصريحٌ صادمٌ، ثم قرارٌ مفاجئٌ، ثم تهديدٌ جديد… وقبل أن يستوعب العالم تصريحه الأول، يأتيك بالثاني.
هذا، ليس صدفةً، وقد يكون مقصودًا، خصوصًا عندما نقارنه بما شرحته الكاتبة الكندية نعومي كلاين حول استخدام الأزمات والخوف والارتباك، لدفع الناس إلى القبول بما لم يكونوا ليقبلوه في الظروف الطبيعية، والاستسلام لتأثير الصدمات المتلاحقة.
الفكرة بسيطةٌ: عندما يكون الناس في حالة صدمةٍ، يتوقف المجتمع عن التفكير، ويبدأ فقط بالبحث عن الأمان. ترامب يستخدم الأسلوب نفسه اليوم، لكن مع اختلافٍ بسيطٍ: هو لا ينتظر أزمةً واحدةً كبيرة… بل يصنع ما يمكن تسميته بـ الصدمة المستمرة، حتى لو وقع بتناقضٍ كبيرٍ وفجّ.
قبل مؤتمر دافوس الأخير صعّد من تصريحاته حول ضم غرينلاند. أثناء المؤتمر تراجع عن مسألة الضم وبدأ يتحدث عن اتفاقٍ وعن وقف التهديدات برفع الرسوم الجمركية كعقابٍ لمن يخالفه من الدول. مباشرةً، عندما غادر المؤتمر، قال إنه سيضم غرينلاند بأي طريقةٍ كانت.
ليست فقط تصريحاته هي التي تربك العالم، بل أيضًا تصرفاته: قيامه بضرب إيران الصيف الماضي وهو يتحدث عن نفسه كرجل سلامٍ، إضافةً إلى تقديم نفسه كصانع السلام في الشرق الأوسط، الذي أنهى حرب غزة، فيما لا يزال يدعم نتنياهو عسكريًا وسياسيًا، وكأنه يشجعه على رفض إنهاء مأساة سكان القطاع.
في كل أسبوعٍ تقريبًا يفتح ترامب معارك جديدة مع القضاء، ومع المهاجرين، ومع الخارج. يخطف رئيس فنزويلا، ويهدد بخطف آخرين، يمدح الأقوياء حتى لو كانوا أعداءه، ويسخر من الضعفاء، حتى لو كانوا حلفاءه.
النتيجة: الناس مرهقون، المؤسسات تحت الضغط، النقاش العام يتحول من: “ما هو الصحيح؟” إلى: “من هو الأقوى؟”.
في هذا الجو، تصبح القرارات القاسية أسهل، وتضعف الثقة بالقواعد، ويبرز “الرجل القوي” كحلٍّ. هذا بالضبط ما حذرت منه نعومي كلاين حين كتبت: عندما يتحول الخوف إلى أداة حكمٍ.
اليمين المتطرف في السويد أيضاً
يكاد هذا الكلام عن استراتيجية الصدمة ينطبق على ما يمارسه اليمين المتطرف هنا في السويد أيضًا. ينشر حالة الخوف والفزع من اللاجئين والمهاجرين إلى حد الكراهية، ليقدم لهم نفسه باعتباره المنقذ… حتى لو كانت الحلول التي يقدمها أشد خطورةً من المشاكل نفسها.
في حين يتهم السياسيون ممن يحاولون إدارة الصدمة بعيداً عن الانفعال، ويحاولون استخدام الوعي ومخاطبة عقول الناس لا عواطفهم، هؤلاء يتهمون بالتخلف والجمود وعدم مجاراة الواقع… إلى آخره من الأوصاف التي يبدع بها، خاصةً، من يجيدون استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتحديد منصة إكس.
إذًا، ترامب ليس مجنونًا تمامًا، وليس عاقلًا بما يكفي. مثله مثل بقية زعماء اليمين الشعبوي البارزين الآن، هنا في السويد وفي أوروبا…هؤلاء يعرفون من أين تؤكل الكتف عندما يتعلق الأمر بحصد الشعبية والإعجاب، من خلال استخدام استراتيجية الصدمة. وللحديث بقية… ولكن إلى اللقاء.
محمود آغا