هل تغيرت السويد؟

Views : 1947

البرنامج


الكومبس – زاوية (ولكن): هل تغيرت السويد وتتغير، إلى حد يمكن أن يؤثر على ما نتمتع به من أمن وأمان واستقرار ورفاهية؟ بسبب تكرار حوادث العنف والقتل، وإلى حد يمكن أن ينال من نعمة الحرية والديمقراطية التي نعيشها؟ بسبب حالات التشدد والتطرف المتنامية في المجتمع، وهل ستذهب الثقة جراء تعدد حالات الغش والاحتيال؟  وهل تتراجع القيم القائمة على المساواة والعدالة وحقوق الإنسان؟

يقال إن البيوت هنا كانت تترك بدون أقفال ومفاتيح، وأن المحلات كانت تقريبا بدون موظفين، تأخذ حاجتك وتترك النقود في وعاء يضعه صاحب المحل، وأن السويديين كانوا يفرحون ويرحبون بأي قادم غريب يشاهدونه في شوارعهم، أما اليوم فالبيوت والمحلات والمرافق مجهزة ليس فقط بالأقفال بل بأجهزة إنذار وحراس، فيما نسمع ونشاهد في كل يوم تقريبا جرائم وحوادث عنف وتفجيرات منها ما هو مميت ومنها وأكثرها يساهم بزيادة كراهية الأجانب، وتفشي العنصرية، العنصرية التي أصبح لها اليوم ليس فقط أحزاب مرخصة وسياسيون ونواب ولكن للأسف اصبخ لها حتى قاعدة شعبية.

هل تغيرت السويد؟ الجواب نعم تغيرت ولكن من الخطأ ومن الإجحاف أن نحمل مسؤولية  ما يحدث من عمليات إجرام وخروج عن القانون، إلى تزايد اللاجئين والمهاجرين والأجانب، مع أننا نحن نساهم حتما بجزء من هذا التغيير.

الجزء الأكبر الذي ساهم بتغيير السويد، هو أن السويد إن لم تتغير لكانت قد انحسرت وأصبحت دولة ليست ذات قيمة، السويد تغيرت لأنها أدركت حتمية التعامل مع المتغيرات المحيطة بها وأنها يجب أن تتغير، لأنها وكما أراد لها السياسيون المنتخبون يجب أن تبقى دولة لها مكانتها الاقتصادية والسياسية والإنسانية في أوروبا وفي العالم

السويد تغيرت لأن العالم كله يتغير وبسرعة، خاصة بفضل علوم وتقنيات المعلومات والاتصالات ولأن العالم أصبح أصغر من ناحية
تأثير الجوار الجغرافي، فما يحدث في سوريا والعراق والشرق الأوسط سيؤثر حتما على السويد وأوروبا.
يخطئ من يعتقد أن السويد كانت ستبقى كما هي بدون ثمن تدفعه، إذا أرادت أن تكون على الأقل عضوا فعالا ومؤثرا  في الاتحاد الأوروبي، وما يعني ذلك من فتح لحدودها أمام أوروبا الجنوبية وأوروبا الشرقية.
ببساطة السويد أرادت ان تنتمي لتكتل أقليمي يمكن أن تستعين وتحتمي به، والثمن هو تخفيض معايير رفاهيتها وفتح الحدود

يخطئ من يعتقد أن السويد كان ممكن أن تبقى كما كانت عليه في السبعينيات والثمانينيات، وتصل إلى ما وصلت إليه حاليا من معدلات نمو ومن حضور سياسي في العالم، من خلال إغلاق حدودها وانحسارها وتقوقعها على نفسها كما يدعوا الآن لها اليمين المتطرف.
الدعاية الشعبوية اليمينية، وكما هو معروف، تربط كل ما هو سلبي  في السويد فقط بسبب واحد هو زيادة نسبة تدفق اللاجئين في الخمس سنوات الماضية، مع أن السويد الآن عادت لتستقبل أعداد قليلقة جد من المهاجرين
صحيح أن جزء منا نحن القادمون القدامى أو الجدد، ساعدوا على رفع نسبة البطالة والفقر وربما زيادة الجرائم في المجتمع، ولكن في المقابل هناك قسم كبير منا ساهم أكثر ببناء هذا البلد ورفع مستويات الاقتصاد به وساهم بإغناء المجتمع السويدي وتنوعه الثقافي

السويد تغيرت لأنها يجب أن تتغير، ونحن اللاجؤون والمهاجرون ساهمنا بهذا التغيير ساهمنا به مع الكثير من الإيجابية… وساهمنا بالجزء السلبي أيضا لأننا ببساطة لسنا ملائكة ولسنا مواطنون مثاليون
ولكن التحدي هو أن نكون واعين لحقيقتين واضحتين: أن لا نجلد ذاتنا أولا وأن لا نصدق دعاية اليمين المتطرف بأننا نحن عالة وأن كل مصائب السويد بسببنا، حقيقة أننا لسنا عالة حقيقية يعرفها غالبية المجتمع والعديد من  السياسيين ولكن دورنا هو في أن نساعدهم على ترسيخها
الحقيقة الثانية هي أن الكثير منا ضحايا، نعم نحن ضحايا بعض من يتقمصون صور رجال الدين، رجال دين ينتمون لنا ولكن يحاولون تشويه صورتنا وحتى قلب معتقداتنا لأهداف سلطوية بحته، هؤلاء يبحثون عن سلطة لهم تنافس سلطة الدولة ومؤسساتها، وهم بالتالي يحاولون خلق مجتمع مواز للمجتمع الذي نعيش به،
هم يريدون أن يوهموا رواد المساجد والكنائس ودور العبادة أن السلطة عليكم يجب ان لا  تكون بيد السويديين المنحرفين بل بأيدايهم هم الطاهرة والمعصومة وبتوكيل من السماء.
لا شك أن لرجال الدين دور مهم بين جميع الجاليات والطوائف والأديان، لأن رجل الدين له مكانته واحترامه وهو يساهم بنشر الأخلاق وتهذيب التابعين لهم.
الحديث هنا عن قلة قليلة تعتقد ان لديها توكيل بنشر التحريض والتعصب وتقويض المجتمع. قلة لم يمنعها أحد من نشر التعاليم الصحيحة للأديان والمساهمة بوقف الجرائم والمخالفات والكذب والغش، تماما كما تنادي به معظم الأديان
المفارقة أن المجتمع الذي عملوا هؤلاء على محاربته ومعاداته هو نفسه المجتمع الذي سيدافع عنهم ليحصلوا على محاكمات عادلة. وهو المجتمع الذي سيمنع تسفيرهم في حال كان على حياتهم خطر في بلدانهم. وهو الذي سيطالب الجهات الأمنية بكشف الأدلة السرية التي على أساسها يمكن أن يحاكم عدد منهم
نحن أيضا ضحية عنصرية وكراهية يزرعها بيننا بعض المتشددين دينيا وعرقيا، على اختلاف طوائفهم وانتمائاتهم ويشارك بها بعض أهالينا الحاملين للحقد والانتقام معهم من بلدانهم الأم
نحن ضيحة تربية خاطئة لمجموعة من شبابنا الذين يقتٍلون ويُقتلون بأعمال ثأر وبيع مخدرات، شباب صغار لم يجدوا في المنزل الأب المثالي والأم الواعية، وجدوا بالشارع وعصاباته الملجأ والملاذ الذي يحل لهم عقدة الانتماء والضياع بين تناقضات المنزل والمدرسة والمجتمع
نحن ضحايا المعلومة الخاطئة والمضللة والمشككة بكل شيء حولنا والنتيجة أننا أصبحنا لا نثق بأحد، كل ما حولنا، وكما نعتقد يعمل ضدنا ويكرهنا
 نحن ضحايا أنفسنا، كم منا يحب الآخر ويريد له الخير؟ كم منا قدم بلاغات ووشايات ضد أقاربه وأصحابه فقط بقصد الأذى؟ وكم منا خان رب عمله وانتقم منه فقط لانه اعتقد بأن الانتقام هو راحة نفسية له ورضى لذاته المريضة، وكم رب عمل بالمقابل استغل حاجة محتاج للعمل خاصة بين القادمين الجدد 

نحن يجب أن لا نبقى ضحايا لكي لا نبقى عاجزين.. نحن يجب أن نساعد أنفسنا لكي يستطيع المجتمع أن يساعدنا، يساعدنا في التغلب على تنامي النزعات العنصرية والنازية المتفاقمة في المجتمع، ولكي نقول إن السويد تغيرت فعلا ونحن نساهم في تغييرها لأننا ببساطة نحن جزء من هذا المجتمع ونحن جزء من السويد

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.