الكومبس – تقارير: مرّ أكثر من شهر على سقوط نظام الأسد، يعيش السوريون والعالم حالة بين الترقب والتفاؤل. ومع وفرة بعض المواد الغذائية، وزحمة في الأسواق، السوريون عادوا يشربون “النسكافيه” الأصلية مع النرجيلة على قمة جبل قاسيون المطلّ على دمشق.

أسئلة كثيرة تتركها العاصمة المغطاة بغبار أكثر من نصف قرن من الاستبداد، برسم أهلها وربما تبقى لزمن دون إجابات واضحة.

“عندما يؤذن المغرب في دمشق كانت شوارعها تفرغ من أهلها، يستعين الناس ببطانية يلفون بها أجسادهم المتعبة من برد الشتاء القارس. هي حال السوريين لو بقي بشار الأسد”، بهذه الكلمات تبدأ عفاف العاملة في مدرسة دار السلام حديثها، في ساحة النجمة وسط دمشق.

أما بعد 8 ديسمبر 2024 لفا ينام الدمشقيون باكراً، بعض الدفء دخل الى بيوتهم بعد توافر بعض المشتقات النفطية رغم غلاء أسعارها، إنهم لايصدقون ما حدث، وبعضهم يصفه بـ”المعجزة”.

شباب عادوا يفكرون بالزواج

بعد 8 ديسمبر، عادت إليّ رغبة التجول في دمشق. في سوق الذهب جلست عند أحد الأصدقاء مدة ساعة واحدة، في تلك الساعة يدخل أكثر من خمسة من الشبان مع خطيباتهم لاختيار خواتم الخطبة الفضية، معلنين بفرح غامر أن موعد العرس سيكون في الربيع، أو في الصيف على أبعد تقدير.

بعد أن فرغ المحل الصغير من الزبائن قلت لسامر صاحب المحل “عدد الزبائن الذين دخلوا في هذه الساعة ربما يقارب عدد الذين مروا لاختيار خاتم الزواج خلال السنوات الثلاث الأخيرة”.

هو أول الارتدادات الواضحة للزلزال السوري في 8 ديسمبر. عاد الشباب السوري يفكر بالزواج بعد أن رفع حكام دمشق الجدد عن كاهلم كابوس الخدمة العسكرية الإلزامية.

بالمقابل رافق هذه الارتدادات فوضى كبيرة. عدد كبير من البسطات الموجودة في الشوارع دون رقيب، هي فوضى يراها بعضهم مبررة بعد سنوات من الحرمان، وبعد خلو الشارع السوري من أي بضاعة أجنبية “مهربة” وغالبها اليوم من مصدر تركي. اضافة إلى بحث الشباب عن أي فرصة للعمل.

ملامح أقل قتامة غطت الوجوه في سوق الحميدية، هناك الشوارع المتهالكة منذ سنوات طويلة، متروكة للقذارة.

عبر الشارع باتجاه باب توما، نحو حيّ القيمرية، تبدو رفوف متجر صغير مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل بضعة أسابيع فقط، عندما اضطر أصحاب المتاجر إلى تهريب العلامات التجارية الأجنبية وإخفائها عن معظم الزبائن. أما اليوم فتختلط المنتجات السورية الصنع، علناً بعلامات تجارية من تركيا وأوروبا والولايات المتحدة، والبرازيل.

يدخل الزبائن ويطلبون بحرية “نسكافيه” الأصلية وبيض”كيندر” لأطفالهم. لم يعد التجار مضطرين لإخفاء العلامات التجارية الأجنبية في متاجرهم.

رئة الدمشقيين تتنفس

سنوات طويلة كان فيها السوريون يقضون عطلات نهاية الأسبوع وليالي الصيف على جبل قاسيون المطلّ على مدينة دمشق، برفقة أهلهم يشربون القهوة والعصائر، يدخنون النرجيلة ويأكلون الذرة المشوية.

وبعد وقت قصير من اندلاع “الربيع العربي” وخروج المظاهرات في دمشق وغيرها من المدن السورية العام 2011، أغلق الجيش والأمن في نظام الأسد الجبل أمام الدمشقيين. وبدأ قصف بعض ضواحي دمشق كداريا وحرستا بالدبابات و المدفعية.

وبعد شهر من الاطاحة بنظام الأسد، يعود كثير من العائلات السورية كل يوم إلى جبل قاسيون، مع وجبات خفيفة ومشروبات غازية وملابس صوفية ثقيلة تقيهم برد الشتاء، ليستعيدوا مكاناً ترفيهياً مفضلاً يطلّ على دمشق المولودة من جديد.

تقف ماجدة، خريجة كلية العمارة وهي أم لطفلين، على تلة في جبل قاسيون وتشير إلى الجامع الأموي، وكثير من معالم دمشق : “لله الحمد والشكر، عدنا الآن إلى قاسيون، وقاسيون عاد لنا. عدنا نستطيع التنفس مرة أخرى، دمشق عادت لنا مرة أخرى، عادت لناسها الحقيقيين”.

في مختلف أنحاء دمشق، كما هي الحال في أغلب أنحاء البلاد، يعيش السوريون شعوراً جديداً، عادوا يحتضنون مدينتهم التي كان بعضها “محظوراً” عليهم لسنوات.

حرية بدون الأسد

الشعور الجديد بالحرية يختلط ببعض القلق بشأن المستقبل في ظل حكومة تصريف أعمال شكّلها عناصر من هيئة تحرير الشام التي يقودها أحمد الشرع، وما إن كانت هذه الحكومة ستفرض مع مرور الوقت قيوداً جديدة.

ومع غياب التلفزيون الرسمي، يراقب كثير من السوريين كل إعلان أو قرار جديد على وسائل التواصل، بعضهم ليستبشر، وآخرون ليعرفوا خارطة الطريق إلى المستقبل. قبل أسبوعين تقريباً، قال قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع في مقابلة مع قناة العربية السعودية، إن صياغة دستور جديد قد تستغرق من عامين إلى ثلاثة أعوام، وإجراء انتخابات قد يستغرق ما يصل إلى أربعة أعوام، الأمر الذي أثار قلق سوريين مما يسمونه على وسائل التواصل “ديكتاتورية جديدة”، مشيرين إلى أن هناك دساتير جاهزة يمكن العمل بها وضعت في العامين 1950 و 2012.

فيما يطالب معارضون للنظام السابق الشرع بإعلان دستوري لرسم خريطة طريق للمرحلة الانتقالية، تُهدّئ من مخاوف السوريين الذين يخشون سرقة حريتهم مرة أخرى.

فوضى في الشوارع

يشهد الشارع حالياً نوعاً من الفوضى في ظل حكومة تصريف الأعمال التي تعطي الأولوية لبعض التدابير التي تراها اسعافية، لإعادة بناء الدولة المدمرة.

ومع اختفاء عدد من القوانين واللوائح الاقتصادية، يبيع الفتيان الغاز والمازوت في صهاريج كبيرة على زوايا الشوارع. حركة المرور في المدينة بدت مكتظة، حيث لا يوجد سوى عدد قليل من عناصر الشرطة المتطوعين في شوارع دمشق لتنظيم الفوضى المرورية.

ورغم القلق، بدأ الناس يعودون إلى أماكنهم القديمة، أو يعيدون اكتشافها مرة اخرى في مختلف أنحاء العاصمة. ويمكن سماع الأغاني الجديدة من السيارات في الشوارع “ارفع راسك فوق، إنت سوري حر” التي كان من الممكن أن تؤدي إلى سجن من يعيد ترديدها في الشارع، أيام النظام السابق.

تُلاحظ في بعض الأحياء جهود شبابية لتنظيف الشوارع وتنظيم حركة المرور. ولسان حالهم يقول “عندما عادت لدمشق حريتها، شعرنا بأن الأرض والسماء عادت ملكيتهما لنا”.

يقول جورج، أحد قادة المجموعات الكشفية في جرمانا، الضاحية التي تقع جنوب دمشق، عن بلاده في ظل نظام الأسد “لم نكن نرى المدينة، دمشق أو أي مدينة، بكل تفاصيلها. توقفنا عن الذهاب إلى الأماكن العامة لأننا شعرنا أنها ليست لنا، بل للنظام”. جورج ورفاقه ورفيقاته تطوعوا لتنظيف بعض شوارع تلك المدينة.

“وكأنهم في عيد”

في يوم رمادي ممطر، تظهر صورة ممزقة لبشار الأسد فوق مبنى جُعل مقراً لحزب البعث الحاكم الذي كان يمثل القبضة الشمولية على الخطاب السياسي في سوريا. يقع البناء إلى جانب جامع الإيمان في منتصف دمشق، ممتلئاً بالناس الذين عرفنا أنهم من جنود النظام السابقين، تجمعوا هناك من أجل “تسوية أوضاعهم”.

في مقهى الكمال الذي كان مزدحماً نجلس برفقة فنانين تشكيليين، يقول أحدهما “أصبحت سوريا تبدو أكبر، وأصبحت الشوارع أكبر، اختفت الصور التي كانت تسبب لنا شعوراً يومياً بالخيبة، وأن الامل بسقوط النظام بات بعيداً، مع تواطؤ غير مسبوق من المجتمع الدولي والعربي، والشعارات المنتشرة في كل مكان كنا نشعر بأنها تشكّل عبارات كيدية لنا، أننا لم نستطع إسقاط نظام الأسد”.

فيما يقول الفنان التشكيلي نسيم إلياس “أي مكان كان الأمن السوري يمنعننا من دخوله، من الطبيعي أن نرغب في العودة إليه”.

ويضيف إلياس الذي عاش طوال حياته في حي الدويلعة القريب جداً من سور دمشق عند الباب الشرقي “هناك شعور جديد في بعض الأحيان يبدو غير مألوف (..) كان هناك شوارع وأحياء بأكملها لا يمكننا السير فيها لأن ضابطاً كبيراً كان يعيش فيها”.

ويتابع “نشعر كأننا نرى بلادنا للمرة الأولى، نمشي في شوارعها اليوم وكأننا سائحون أجانب، اليوم بتنا نشعر أنها عادت لنا مرة أخرى”.

وصلت وإلياس إلى باب سريجة، السوق الشهير الى جانب قيادة شرطة دمشق الخالية حالياً من عناصر الشرطة. أشار نسيم إلى الزحام هناك والبضاعة المكدسة من الخضار والفواكه إلى جانب المواد أجنبية المصدر “لن أكون متفائلاً كثيراً، لكني أرى الناس وكأنهم في عيد”.

دولار.. يورو.. تركي

قبل الإطاحة بالأسد كان حتى مجرد النطق بكلمة “دولار” يمكن أن يودي بأي شخص إلى السجن. ويبدو أن عمليات تبادل العملات الأجنبية، التي كانت محظورة لسنوات، تظهر اليوم في كل شارع في العاصمة السورية. أشخاص كثر يمشون في الأسواق وهم يصرخون “صرّاف ! صرّاف!” ويعرض باعة السجائر أكوامًا من الليرة السورية مقابل أوراق نقدية من فئة 100دولار.

يجلس محمد (٥٤ عاماً) في سيارته في زاوية قرب ساحة السبع بحرات بجانب البنك المركزي ويكتب على لافتة في نافذة سيارته المتهالكة “دولار.. يورو.. تركي”. بينما يظهر مبنى البنك المركزي بجانبه في مفارقة واضحة.

كان محمد يعمل منذ فترة طويلة في صرف العملات، لكن بعد أن حظر النظام السابق التعامل بالعملات الأجنبية، بقي يعمل في هذه التجارة وراء أبواب سرية. يقول محمد إنه كان يذهب سراً إلى منزل الزبون الذي يحتاج إلى العملة الأجنبية، وهو يخبئ دولارات وفواتير داخل جواربه.

قبل أن نغادر مقهى الكمال يهمس الفنان إلياس بأذني “لكن ماقصة توزيع الأماكن في باصات النقل الداخلي إلى قسمين، قسم للرجال، وآخر للنساء، هي أخبار غير مبشرة، وتعود بنا بسرعة إلى خريف بارد طويل ومرعب”.

تحاول دمشق اليوم استعادة أناقتها، رغم الأنفاس المنقبضة بعد أن كاد الزمن يتوقف عند مصطلح كلاسيكي “دمشق وسوريا، هي لعائلة الأسد”.

مظاهر مقلقة يتداول السوريون الحديث عنها هنا وهناك تشير إلى مخاوف مما يسميه بعضهم “أسلمة سوريا”، فيما يرى آخرون أن الدمشقيين واسعي الحيلة سيحاولون إعادة ذلك الجمال المخبأ، وهويتهم المخفية قسراً منذ أكثر من 54 عاماً، وربما يجدون حلاً سريعاً لقصة فصل الرجال عن النساء في باصات النقل الداخلي، وإنقاذ مدينة دمشق التي تركها الأسد وحزب البعث مدينة مغلقة على ذاتها، منذ ستينات القرن العشرين.

أنيس المهنا

دمشق