Lazyload image ...
2021-05-31

قصة قصيرة بقلم ميساء ناجي لازم

تلاشت من حياته كما يتلاشى الضباب من صباح انيق. لم تكترث ولم يوقفها شيء يجعلها تدافع عن ذلك الحب الأشبه بشبح دخاني يتلاشى بلمسة أصبع ويعود كاملا حين تفارقه تلك اللمسات. حب لا يعرف ان يكون بخاصية معينة فهو يتغذى على اوجاعهما بالغياب وبالإياب.  هل يرحل الأشخاص منا حين يرحلون عنا؟ 

زارها في حلم كعابر سبيل لا تعرف خطى قدميه ذلك المكان. وهي كذلك كانت مجبرة ان تلتقي به دون خيار او إرادة. مضت بخطاها الى الاعلى تقفز بقدميها فوق درجات السلم وهي متمسكة بيد أمها وتضغط عليها كلما دق قلبها منادياً عليه. تلك الارادة التي غالبا ما تغلف قراراتها بدون خوف او تردد، كانت أول الغادرين بها. تركتها وحيدة مسلوبة القرار لا تحمل من القوة شيء كفاية لتنطق بكلمة “لا”.

 وصلت الى الباب الرئيسي ورفعت يدها لتدق الجرس وفجأة كانت في داخل البيت بدون ان يفتح الباب. خلعت معطفها وتركته وحيدا عند مدخل البيت. كانت الأصوات عالية والقهقهات تعلو أكثر كلما أخذت خطوات نحو الاتجاه المعاكس للباب. 

الخوف لا يعرف حبيب ولا يفرقه عن الغريب. هو كالهواء يدخل ارواحنا بدون استئذان ويخرج منا ايضا بدون استئذان، يتمركز فينا ويُنسينا ما نريد او حتى ما جئنا من اجله. صوته كان هو الخوف الذي تشبعت به وهي تحاول التعرف على ذلك المكان الغريب الذي لا يشبهها. تمسكت في الحائط من جهة اليسار وكأنها تريده ان يعينها على ما هي فيه. لكن الحائط لم يكن فارغاً. كان فيه شيء من الدفء ينبعث من كف تعرفه جيدا وربمى هو كل ما تعرف هناك. كف كانت لمسته في وقت من الاوقات تبعث فيها الحياة لتحيا. لم تجرؤ على ملامسته ولم تجرؤ على الالتفات خلفها خوفا من ان يتلاشى كما اعتادت ان يفعل. لكنها سرقت منه قرب متقطع لا يشبه احتياجها ولا يُشبعه، قرب تتسلل اليه وتقترب منه دون أن تأخذه.  واصلت الى الامام في رحلة استكشاف لهذه الاجواء. بعد صراع مع البداية اختارت الغرفة التي تقع الى اليسار من خارطة المكان. وتفاجأت بروائح لأكلات شهية. توقفت عند الباب تترقب الموجودين وتبحث عن ذلك الصوت الذي يأجج الحزن في قلبها. 

نحن لا نعرف الحزن الا حينما ترحل السعادة. أو ربما الحزن هو غياب السعادة؟ وحضوره كان هو ذلك الغياب. نظرت اليه وهو منهمك مشغول بالموجودين يترأس الأجواء بضحكاته المتعالية والمترددة، نظر اليها مطولا وهو يبحث فيها عنها. 

تواجدنا الفعلي في الاماكن لا يعني اننا فعلا هناك حتى وان لم نؤمن في ذلك. احيانا نكون أشبه بالكائنات المنقسمة الى نصفين جسد يُعرف محيطنا بأننا حاضرين وروح تجعلنا غياب مهما أردنا الحضور.

 جلس في المطبخ بجانب فتاة جميلة ترتدي ذات المحبس الذي يرتديه. ثم وضع يده فوق يدها محاولا إيصال شيء من الحب والسعادة. شيء تعرفه جيدا وتحسه بكل ما أوتيت من مشاعر واحاسيس. شيء تعرف تفاصيله الذي يجهله كل الحاضرين بما فيهم تلك الحسناء الغريبة. 

لكن ما هي الغربة ومن هي؟ هل كانت فعلا تلك الحسناء هي الغريبة التي لا تعرف المخفي وراء التاريخ المار؟ هل الغربة هي عدم معرفة التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها غيرنا نحن فقط؟ نَظرت اليه وهي تبحث في عيناه القاسية عن ما تراه فيهما. 

لم يشعر بوجودها أحد من الحاضرين. كانت كل الأشياء من حولها غير مألوفة ما عدا الوجع الذي تمركز فيها وأصبح جزء لا يتجزأ منها. لم يراها أحد هناك ولا حتى هو.  

جلست امامه تنظر إليه وهو يبادلها ذات النظرات دون ان يراها. كان يبحث عنها في كل زوايا المكان متشبثا بما لديه خوفا من خسارة اخرى تلحق به. كان تائه ضائع لا يعرف بذلك الضياع الممتلاء به ويجهله كما يجهل ذلك الفراغ المكسور بدونها. ورغم أنها كانت أقرب إليه من ذلك النفس الذي يسحبه الى داخل أعماقه عجزت عيناه عن رؤيتها كما هي. شبح دخاني أختار النسيان على الوجود المتلاشي.

Related Posts