العنوان الذي نشره راديو السويد بالعربي قبل أن يغيره لاحقاً
العنوان الذي نشره راديو السويد بالعربي قبل أن يغيره لاحقاً
2.6K View

 
الكومبس – تحليل إخباري: تحت عنوان “الفساد الذي يعم فلسطين يقف عائقاً أمام تقديم المساعدات” نشر القسم العربي في الراديو السويدي الممول من دافعي الضرائب، تصريحات لوزيرة الخارجية السويدية، آن ليندي، تزامنت مع زيارتها لإسرائيل وللأراضي الفلسطينية المحتلة، وكان الراديو السويدي نشر الثلاثاء النص الأصلي باللغة السويدية للتصريح، قبل نشره باللغة العربية، وجاء فيه التالي: قالت وزيرة الخارجية آن ليندي لمراسلتنا  “إن ذوبان الجليد أمس بين السويد وإسرائيل لن يؤثر سلباً على علاقة السويد بالفلسطينيين”. “يعاني الفلسطينيون من مشاكل داخلية مع الانقسامات بين حماس وفتح. إضافة إلى ذلك، يعتقد كثيرون أن السلطة الفلسطينية فاسدة”. 
“إذا أردنا أن نكون قادرين على دعم التنمية الاقتصادية بشكل كامل، فعندئذ لا يمكن أن يكون هناك فساداً بهذا المستوى الموجود في فلسطين”.
وعند مقارنة النص الأصلي لتصريحات ليندي، مع الترجمة التي نشرها راديو السويد لن نجد عبارة “الذي يعم فلسطين” لأن كلمة “يعم” التي لم نجدها في نص التصريح باللغة السويدية، تعني التعميم أي أن كل فلسطين فاسدة حسب عنوان المقال المنسوب للوزيرة. 

وأوقعت هذه الترجمة وزير التنمية الاجتماعية في السلطة الفلسطينية أحمد مجدلاني في مغالطات عدة، بعد أن نفى كلياً أن تكون الوزيرة التي تعتبرها السلطة ممثلة لحكومة صديقة للفلسطينيين، مثل هذه  التصريحات، قائلاً “ما نشره هذا الراديو غير صحيح وأنا متأكد من ذلك. السيدة آن ليندي صديقة لنا ونعرفها منذ سنوات طويلة ولا يمكن أن تصدر عنها هذه التصريحات”. 

وأضاف الوزير مجدلاني “راجعت كل وسائل الإعلام السويدية مع عدد من أصدقائنا في البرلمان السويدي ونفوا نفياً قطعياً هذه التصريحات. لقاؤها بالأمس مع الرئيس محمود عباس وما أكدته خلال اجتماعها كان واضحاً بشكل مطلق”. 

بل ذهب مجدلاني إلى اتهام حماس بالترويج لهذا الخبر واعتبر راديو السويد تابعاً لجهة فلسطينية، مع أنه راديو يتبع الخدمة العامة السويدية التي يمولها دافعو الضرائب في السويد. 

العنوان الذي نشره راديو السويد بالعربي قبل أن يغيره لاحقاً
العنوان الذي نشره راديو السويد بالعربي قبل أن يغيره لاحقاً

تحولات في السياسة الخارجية السويدية  

وفي حين لا توجد صداقات ثابتة بين الدول بل مصالح راسخة، فإن التصريحات قد تعبر عن خيبة أمل جديدة تعرض لها الفلسطينيون من التغييرات التي حصلت في سياسة السويد الخارجية، وقد يُرجع المهتمون بشؤون العلاقات السويدية الفلسطينية، السبب وراء المغالطات في تصريحات الوزير الفلسطيني، إلى أنه لا يريد، تصديق أن وزيرة خارجية حكومة تعتبرها السلطة واحدة من الأصدقاء الباقين لها، يمكن أن تُطلق وتعمم صفة الفساد على السطة الفلسطينية، فيما تعكس تصريحات هذا الوزير أيضاً مدى ابتعاد السلطة عن إدراك التحولات والحقائق الجديدة التي طرأت على السياسة الخارجية السويدية بعد مغادرة الوزيرة السابقة مارغوت فالستروم لمنصبها كوزيرة لخارجية السويد، حيث كانت المحرك الرئيس وراء اعتراف السويد بفلسطين، وكانت أيضاً السبب الرئيسي وراء تأزم العلاقات السويدية الإسرائيلية على مدار السنوات السبع الماضية. 

كما أن السلطة الفلسطينية التي تعاني من الضعف بعد موجات التطبيع العربية وما نتج عن هذا التطبيع من نجاحات خارجية إسرائيلية لا ترغب في انتقاد ما تبقى لها من أصدقاء قلائل.  

من جهتها اضطرت وزيرة الخارجية السويدية، كما يبدو لنشر بوست على الفيسبوك خاص بزيارتها للأراضي الفلسطينية، مع صور تجمعها مع الرئيس عباس ورئيس وزرائه ووزير خارجيته، كتبت فيه “إن زيارة فلسطين اليوم تأكيد على علاقاتنا الطيبة. في لقاءاتي مع الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء محمد اشتية ووزير الخارجية رياض المالكي، اتفقنا على تعميق العلاقة بين فلسطين والسويد. كما جددت التزامنا بالاعتراف بفلسطين ودعمنا لحل الدولتين المتفاوض عليه، على أساس القانون الدولي، مع القدس عاصمة للدولتين. كما التقيت بممثلي المجتمع المدني الفلسطيني. من المهم سماع أصواتهم”.  

 المنطق السويدي والعلاقة بين الاحتلال والفساد  

تسهم السويد بنسبة كبيرة من الدعم الدولي المقدم للسلطة الفلسطينية، لكن الحكومة السويدية لا تصارح مواطنيها بأن الأموال التي تدفعها هي وحكومات أخرى هي أموال كبيرة بالنسبة لدافعي الضرائب، لكنها أموال قليلة في الوقت نفسه، مقارنة مع حجم الاقتصاد الفلسطيني المشلول والمصادر والمحاصر، بسبب الاحتلال. المنطق الاقتصادي يقول إنه في حال سمحت إسرائيل للفلسطينيين بممارسة حرية استخدام مواردهم السياحية والزراعية والصناعية والتجارية في الضفة والقطاع، لما احتاجت السلطة إلى هذه الأموال لـ”سد رمق” موظفي السلطة الصغار من جهة، وفسح المجال لما يُعتبر “فساد الموظفين الكبار”. 

من جهة أخرى يبدو أن المنطق استيقظ في السويد على حساب الموقف الأخلاقي. المنطق الذي استيقظ يقول إن دولاً عربية عدة هرولت نحو كسب ود إسرائيل، فلماذا على دولة أوروبية مثل السويد أن تبقى متمسكة بمبدئها المتمثل في توجيه النقد للتصرفات الإسرائيلية؟

هنا تبرز حقيقة جديدة قديمة تؤكد أن أي جهة أو أي دولة تريد تبرير تقاربها مع إسرائيل تلجأ إلى وضع اللوم على الفلسطينيين وإثارة موضوع “فساد السلطة”، هو موضوع قد بنطبق عليه القول “حق يراد به باطل”. فالفساد واقع يفرضه أي احتلال، لضمان استمراره وتأمين مصالحه، والتساؤل المنطقي هنا: هل من الممكن أن تقبل قوة احتلال بمجاورة سلطة غير فاسدة؟