رمضان سوريا الذي رحل! 

Published: 4/3/22, 10:28 AM
Updated: 4/3/22, 10:46 AM
Syrian shoppers crowd the ancient Hamidiyyeh market in Damascus on July 5, 2006, days after a U.S. official said Syria should condemn the kidnapping of an Israeli soldier and close Hamas officies in Damascus. The U.S. demand came at a low point in Syrian-U.S. relations where public political contacts have almost ceased. (AP Photo/Bassem Tellawi)

المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

على أمل أن يعود رمضان%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86opinion سوريا%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7opinion ، أن يسكن الفرح شوارعنا مجدداً فأطفالنا يستحقون الحياة

ربما من الغرابة أن تبدأ قراءة هذه السطور لشخص يتحدث عن علاقة بشهر رمضان، الغرابة ليست في كون المتحدث اسمه ميشيل ، لا أبداً بل أن هذا المتحدث ومنذ عشرين عاماً جاهر بأنه لا ديني أو لا أدري وفي الحالتين فأن الدين كل الديانات لا تعني لي أكثر من بعض الموروثات الثقافية الاجتماعية ، فيها ما هو جيد لتنامي العلاقات الإنسانية و فيها ما هو قاتل للبشرية أيضاً و الأخيرة هي سبب اللاأدرية و اللادينية التي اخترتها لنفسي .

مؤخراً في الأعوام الماضية كلما اقترب شهر رمضان يسرقني شيء من الحنين لصور الذكريات الكامنة في خبايا الروح، تلك الصور التي تراكمت بفعل الزمن ولا استطاعة على تجاهلها كلما سقط في مياهها الراكدة حجر عابر ، ليس بمجهول المصدر طبعاً ، فالأيام تدور لتعيد نفسها في حلقة تستعمر العقل الباطن و تشكل جزء كبير من تكوينه .

في البيئة التي نشأت فيها كان لهذا الشهر طابعه الخاص فنحن و إن كُنا آشوريين و نُدين بالمسيحية كما تبدو اسمائنا إلا أننا كنا ننتظر هذا الشهر بلهفة شديدة كل عام ، ليس فقط لأجل المسلسلات الرمضانية السورية التي كان ينتظرها كل العالم العربي و حسب ، بل لأننا في هذا الشهر سنُكثر زياراتنا لمنزل العم أبو عمار ” حمود البنيا رحمه الله ” . و العم حمود كان صديق والدي و صداقتهما في بعض الأحيان كُنت أجد أنها علاقة متينة أكثر من علاقة والدي بأشقائه ” أعمامي ” . كان يُصر أبو عمار أن نكون جميعاً حاضرين على وجبات الإفطار في شهر رمضان في مضافة بيته الكبيرة و نحن كان يمتعنا ذلك كثيراً فأجواء الإفطار و الأطباق الجميلة الشهية و القصص و الحكاية بل هذا الاجتماع بحد ذاته كان هو سر شهر رمضان و جماله .

كان يقابل منزل العم حمود ، منزل الأستاذ احمد الذياب . و العم أحمد أيضاً صديق العائلة بل كُنت اعتبره شقيق أعمامي و أحد أفراد اسرتنا الكبيرة .

لماذا أكتب اليوم تحديداً عن تلك الحقبة و لماذا استذكر كل هذه التفاصيل ؟ هو الحنين للإنسان الذي كُنا نفيض به يومها ، إنسان لا ينتمي إلا لوجدانه و شغفه بالفرح الذي يُسعد روحه .

خالتي أم عمار كانت ترتدي إيشار على رأسها و لم نكن نعتبره حجاب أبداً فأمي أيضاً كانت أحياناً ترتدي مثله ، لم يكن هناك أي فرض على بنات العم حمود لارتداء الحجاب في حضرتنا علماً أننا جميعنا ذكور ، كنا إخوة حقاً ذكور و إناث و لم تكن أمي لتخجل من أن تُشعل سيجارتها في حضرة الجميع !

كانت تمضي أيام شهر رمضان بالكثير من الفرح و أكثره تختتمه أيام العيد الثلاث بعد انقضاء الشهر ، الأطفال يحبون العيد لا لقدسيته فهو لا يعنيهم بشيء بل يعنيهم الهدايا و الحلويات و المأكولات الشهية و حرية اللعب !

لقد كانت العلاقة بين عائلتنا و عائلة العم حمود و الاستاذ أحمد خارج نُظم الدين و ترتيباته . بل الثلاثة لم يكونوا متدينين بالمعنى الدقيق للكلمة ، عموماً غالبية أبناء الجزيرة السورية لم يكونوا ملتزمين دينياً و هذا كان أفضل ما يمكن تقييم محافظتنا به و هو ما أتاح أن نعيش سوياً بالكثير من الحب المتبادل . ربما و أقولها دائماً لو أن أبي و كل من العم حمود و الاستاذ احمد كانوا ملتزمين دينياً كما يجب ، أشك في أن يجمعهم ببعض هذا الشكل من علاقة الأخوة و الصداقة والكثير من المحبة !

في شهر رمضان و في سواه . مسلم كُنت أم مسيحي وحتى بوذي ملحد لاديني و لا أدري ، كل ما تحتاجه ليكون الكون أكثر جمال و أكثر حميمية و هدوء و سلام ، كُن فقط إنسان .. إنسان بدون أي تصنيف آخر . وهذا فقط هو أنبل تصنيف يمكن أن تفخر به .

كل عام و أنتم بخير ، على أمل أن يعود رمضان سوريا ، أن يسكن الفرح شوارعنا مجدداً فأطفالنا يستحقون الحياة .

ميشيل برخو – ناشط آشوري سوري

الحقوق محفوظة: عند النقل أو الاستخدام يرجى ذكر المصدر

الكومبس © 2023. All rights reserved