يا عزيزي كلنا عنصريون.. لكننا نتجمل

Published: 8/29/22, 2:44 PM
Updated: 8/29/22, 2:44 PM

المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

صوتك أمانة، وربما كان حاسماً، فاجتهد أن تهبه لمن يستحق

الكومبس – ستوكهولم: على هامشِ ما يحدث من جدالٍ انتخابي في مجتمعنا السويدي هذه الأيام تطفو بعض الكلمات الطائشة وتظهر بعض الأفكار العنصرية%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d8%a9opinion ليس فقط على ألسنة العنصريين أو اليمنيين المتطرفين، بل على ألسنة غيرهم أيضا من بعض الساسة والمرشحين، ومن حام حولهم أو تغنى لتشنيف آذانهم وما ذلك إلا على حساب المُستضعفين والمُهمشين في مجتمعنا السويدي الذي نفخر بغلبة تسامح أهله ومُواطنيه على تنوع تركيباته وأصوله وتطلعاته.

لم يقتصر الأمر على ما يصدر من ألسنة اليمنيين المتطرفين وأفكارهم الهدامة وحدهم.. بل تعداهم لينافسهم في ذلك بعض من يتجملون بمحاربة العنصرية.. وكأنهم اجتمعوا عن قصد أو دون قصد ليُدبروا أمرهم بليلٍ كالح السواد لا بصيص فيه لأي أملٍ لهم إلا على قصعة أصحاب الأصول المختلفة في مجتمع يتجاهل البعض فيه وربما عن عمدٍ أنه مجتمع مبني وسيستمر ما استمرت الحياة على التعددية.

هذه التصريحات المشينة التى لا يُلقي البعض لها بالًا ـ والتي تزداد شراسة كلما اقتربنا من ساعة الإقتراع، وإن كانت تداعب أصحاب الأصوات اليمينية أو المتطرفين.. فهى تؤلم أشد الإيلام وبوضوح لا ضبابية فيه بعض مكونات المجتمع الأساسية، وإن لم يُفصح أغلبهم عن مكنون مشاعرهم تجاه هذه التصريحات المقيتة التي تغرس بالتبعية روح الكراهية والإنعزالية بين أبناء المجتمع الذي يجب أن يكون مُتماسكاً مُتآلفاً خاصة مع عدم استقرار الخريطة السياسية محلياً في الفترة الأخيرة، واستمرار الحرب الأوكرانية، وما يترتب عليها من قضايا الأمن والدفاع، أو ما تُنتجه من توتر ملحوظ للاستقرار العالمي، والظروف الحرجة التي نمر بها جميعا وهي أحداث لا تفرق بين أصحاب العيون العسلية والبشرة الداكنة من ناحية أو أصحاب العيون الزرقاء والشعر الأصفر من ناحية أخرى.

وإن كان ( ولابد من شكوى فإلى ذي مروءَةٍ يُواسيكَ أو يُسليكَ أو يَتوجعُ وإن يكُ من وصفِ المروءة خاليا يُرائيكَ أو يُبكيكَ أو ليس يَسمعُ )
كلمات الكراهية وسلوك التمييز أو التهميش التى يلوكها أو يتصرف بها بعضنا بين الحين والأخر لم تُخفي على دبلوماسية بعض صَارِخيها رائحة الاستعلاء والتعنصر حول الذات أو العرق أو الفكرة أو الإتجاه.
هذه الكلمات المقيتة وما يتبعها من تصرفات مشينة تُذكرنا بالفيلم الشهير ( يا عزيزي كلنا لصوص )، وفيلم ( أنا لا أكذب ولكنى أتجمل ) وهما من أفلام السينيما المصرية لثمنينات القرن الماضى للمؤلف المشهور إحسان عبد القدوس، وعلى وزنهما إلهام ما سطرته لحضراتكم تحت عنوان:

نعم.. أعزائي.. نحن كلنا عنصريون.. شئنا أم أبينا.. اعترفنا أم أنكرنا.. انكشف بعضنا تحت ضغطٍ ما.. أم اختبئ البعض الآخر تحت يافطةٍ أرحب.. عُوقب بعضنا أم كوفئ البعض الآخر.. المهم أننا فعلًا عنصريون، ولكن بتسمياتٍ ودرجاتٍ مختلفة، وربما بمصطلحات كاذبة/تجميلية تُرضي أنفتنا ولا تستثير الآخرين، ولكنها بالطبع.. ينبغي ألا ترضي أصحاب الضمائر الحية بيننا.

قليل من الرصد والمراقبة لمختلف أشكال سلوكياتنا الأخلاقية تجاه بعضنا البعض ينكشف معه ـ بلا معاناة تُذكر حتى ـ ما خفي من تلك العنصرية المقيتة ومدى تأثيرها المُدمر على مستقبل جميع مكونات مجتمعنا وما يمكن أن يَؤول إليه مصير الأجيال.

فقد تظهر عنصرية البعض مثلاً تجاه فكرة أو فئة أو شريحة معينة من مكونات المجتمع، ويسعى هؤلاء البعض جهدهم لجمع أغلبية ضد هذه الفئة أو تلك.
والخطورة في ذلك لا تكمن في سنن التدافع الطبيعي للحفاظ على الخصوصيات والأفكار ومقومات الذات،
وإنما تكمن الخطورة في إنكار الآخر أو تحقيره أو شيطنته وعدم الإستعداد لإبداء أي مرونة للتعايش معه،
وبذلك تكون الخطورة الأوسع تدميرًا للمجتمع تكمن في تطبيع ظواهر التعنصر حتى تصبح أسلوب حياة يخجل أن يعترض عليه أحد،
والأخطر أن نسمي هذه العنصريات اللفظية أو السلوكية.. الفردية أو الجماعية بغير وصفها، فنُجَمل بتجاهل بعضنا أو بتبرير بعضنا الآخر العنصرية لتُقبل بأشكالها المختلفة على مستوياتها المتباينة في مجتمعنا المتعدد على الرغم من أنها – وبوضوح الشمس وقت الظهيرة – جرائم أخلاقية عنصرية كاملة الدسم، ونقيصة مجتمعية فجة وفقا للمفهوم العام الحر غير المُوجه لمصطلح العنصرية.

أن تصبح العنصرية مفخرة يتباهي بها البعض بدعوى الحفاظ على قيم أسرته وجماعته وقبيلته أو عرقه أو لونه أو مبادئه المتوارثة دون النظر إلى المتغيرات المتسارعة لمحيطه الآني ومستقبل أيامه لهو الهلاك المستعجل لتحتطيم الأمم والمجتمعات.
فلماذا يصر بعضنا إذًا على الوقوف عند لحظات تاريخية معينة لا يتخطاها إلى ما هو أبعد ولا يرجع إلى أصولنا الأولى فنحن جميعا شئنا أم أبينا تجمعنا أسرة بشرية واحدة ولو اختلفت ألواننا أو تباينت ألسنتنا، وكذلك يجمعنا وطن واحد أو على الأقل هكذا يبدو !؟
ماذا لو ارتبطت أوروبية بأفريقي؟ أو مسيحية بماجوسي؟ أو يهودية بمسلم؟ أو لا دينية بمؤمن؟ أو دكتورة جامعية محلية بعامل وافد بسيط؟ وماذا؟ وماذا؟
كيف ستكون علاقاتنا في البيت وفي الشارع وفي العمل !؟ كم ازدادت مهارة بعضنا في إخفاء معالم عنصريته !؟ كيف سنواجه ضمائرنا حين نختلي بأنفسنا !؟

الاعتراف بالمرض بداية العلاج

نعم.. الإعتراف بالمرض بداية العلاج. فإن توفرت الرغبة وقويت العزيمة فى التخلص من أمراض العنصرية فلا أقل من تشخيصها بوضوح لا لبس فيه، والاجتهاد في تحقير مظاهرها على كل المستويات وفى كل الأماكن ومن أي مصدر كانت، ومحاولة النجاة من وصمها، ومعالجة أثارها السلبية على النفس والمجتمع، وعدم التمترس خلف أفكار مثل نحن وأنتم وهم في قضايا المجتمع المشتركة وأهدافه العامة.

وإن كان من المعلوم بالضرورة أن الاختلاف النسبي في الخصوصيات سنة حياتية يجب احترامها من جميع مكونات المجتمع لجميع أفراده.. فمن المعلوم أيضًا أن العنصرية توجيه مُكتسب يجب العمل على تحجيمها ونبذها وحماية أطفالنا مما يترتب على ممارسة البعض لها حتى تنشأ الأجيال وتترعرع بعيدًا عن وجوه العنصريين وأفكارهم الهدامة.
فأجيالنا يتعاملون بسليقتهم مع أقرانهم من حولهم بغض النظر عن الاختلافات التي قد يراها أو يرغبها أو يغرسها الكبار فيهم. وهنا يأتى دورنا كأفراد وكمؤسسات في التدخل التربوي والتعليمي الذي يجب أن نجتهد فيه ما أمكنا إلى ذلك سبيلا لتطوير البيئة المجتمعية الحاضنة إلى الأفضل، وأن نحذر كل الحذر من إثناء الفرد عن إنسانيته المفطور عليها إلى التعنصر أو الإنغلاق على الذات أو رفض الآخر في مجتمع يتسم بالتعددية.

ليس أمامنا إذًا إن أردنا سوى مواجهة أنفسنا وما نحن عليه من تناقض، وعدم الاستمرار أكثر من ذلك في خداع الذات أو جلدها.. أو خداع الآخر أو تهميشه.. فهل نحن فاعلون؟
ولتجنب أي سوء للفهم فإننا لا ندعو هنا إلى المثالية المستحيلة، أو إلى الكمال الملائكى المطلق، فكم من نفوس جميلة شُوهت لذلةٍ فى لحظة ضعفٍ تحتاج إلى من يُساندها لتخطي محنتها.
وكم من عقولٍ ذكية حُطمت لهفوةٍ غير مقصودة أو غير محسوبة العواقب تحتاج إلى من يهيئ لها الظروف لمعاودة المشاركة في البناء.
وكم من مواهب شابة اغتيلت في مهدها باسم ( المثالية والكمال المطلق الوهمي لأصحاب المدينة الفاضلة الذين يتعالون كذبًا على ضعف النفس البشرية وحاجتها المستمرة إلى الآخر، وما يستطيع أن يقدمه ذلك الآخر ولو كان مختلفًا )..
( فكلنا بلا شك خطاؤن ـ ولا خلاف ولا مُزايدة على ذلك أبدًا ـ ، وخير الخطائين التوابون.
وهنا يقع الفارق الحقيقي، ويبرز التفاضل الممدوح، ويتضح بجلاء معنى الأمانة التي يجب أن يتحمّلها كل منا تجاه نفسه وتجاه من حوله من مكونات المجتمع المختلفة )

نعم إنها امراض النفس القابلة للعلاج إن توفرت النية والعزيمة. فالأنانية والتقوقع حول المصالح الخاصة وتوسع المجتمع المادى تلك وأمثالها أمراض تجعل المرء لا يرى من الخطأ إلا فداحته، ولا من المُخطئ إلا خبث نيته وسوء طويته ، ولا من الأحداث المحيطة إلا فرصة لإقتناص الهدف، أو التسلية والتفكه في مجالس الأنس والتلذذ بالتشهير لإشباع رغبات أصحاب النفوس المريضة بحب التعالي ونبذ وتحقير الآخرين.
بينما يُفترض بالمواطن الناجح الصالح المتسامح أن يقف بجانب شركائه على اختلاف أصولهم في المجتمع ليرفعوا معًا عن بعضهم البعض الشعور بالدونية أو التهميش، وليتشاركوا جميعًا فى البناء المجتمعى العام، وليستفيدوا معًا من رفاهية إقتصاد الدولة بعدالة شاملة دون تمييز ودون تهميش فى مجتمع يسوده الأمن والسلام بعيدًا عن أى سقوط لمظنة استقطاب من هنا أو استقطاب معاكس من هناك.

بعض المشاهد المُغذية للعنصرية

قد ترى فى بعض المباريات الرياضية حامية الوطيس من يبالغ في شعور التوتر لتصبح أعصابه وأعصاب من حوله قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار لينعكس توتره كحركة مستفزة لأطرافٍ آخرين فتكون الردود بعبارات عنصرية فجة ربما رغبة من مطلقيها للتخفيف عن قلوبهم المحتقنة، أو لتحقيق نصر وهمي لفريق على حساب آخر، وإن التمس بعضنا العذر لتلك التصرفات المرفوضة على أنها مجرد مباريات.. فكيف وعلى ماذا سَيُقاس ما يصدر عبر وسائل التواصل والساحات الإعلامية المختلفة بين المرشحين والأحزاب أوقات الإنتخابات مثلًا؟

الزمالة والصداقة والجيرة من أهم العلاقات الإنسانية في المجتمعات التى تبغي الإستقرار فهي تجمع بين مكونات المجتمع على اختلاف أصولهم وتقرب الأنفس لبعضها البعض فتهنأ الحياة وتُقضى الحوائج.. لكن بعضنا وللأسف الشديد حَوَّل المعيشة إلى ضنك بتمييزه الطبقي لنفسه وتعنصره ضد الآخرين، وما نشاهده من بعص المواقف المتضاربة تفوق الخيال حول من يُشَيد المساكن الجديدة مثلًا لتطعيم المناطق المُهمشة والرفع من مستوها، ويبنى الجسور لتسهيل حركة المرور والتنقل بين المناطق المتجاورة وتيسير سبل الاندماج%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%af%d9%85%d8%a7%d8%acopinion الإيجابي في المجتمع، وبين من يُطالب بالتهجير القصري لبعض فئاتٍ من سكانِ بعض المناطق أو يُطالب بهدم جسورٍ وقطع طرقاتٍ لتحقيق أوسع قدر من العزل الطبقي لحماية وهمية لبعض فئات المجتمع أو لمزيد من التهميش للآخرين.

السبيل الأوحد الذي لا مفر منه لمن رغب في رغد وطيب الحياة. الآهات المؤلمة كثيرة وهي تبحث عن علاج وليس عن تجاهل أو مسكنات..
منها ما تقرأه بين الفينة والأخرى على صفحات الجرائد المشهورة أو تشاهده على شاشات التلفاز أو تسمعه من أحد المقربين الثقات:
من تقيمٍ خاطئٍ مُتعمد من بعض المُدرسين لدرجات بعض طلبة المدارس مثلًا.
أو قلة أو ضعف إمكانيات أو غلق بعض المدارس في بعض المناطق النائية مثلًا.
أو تساهل أو تسرع بعض الموظفين في اتخاذ القرارات ذات الصلة بقضايا سحب الأطفال مثلًا.
أو عجز أو ضعف الإمكانيات فى بعض المراكز الصحية أو بعض دور كبار السن مثلًا.
كل تلك المشاهد المُحزنة وأمثالها منتشرة للأسف الشديد في مجتمعنا السويدي بنسب متفاوتة حسب المناطق والمدن، وحسب قدرة تفاعل ساكنيها مع الأحداث المحيطة والأشخاص المؤثرة ذات الصلة.

ولا حل كما يبدو في مستقبل أفضل وأأمن لأجيالنا إلا بالعودة إلى فطرتنا الإنسانية التى فُطرنا عليها.. ثم في تعميق مبادئ المواطنة وإحياء روحها بين جميع فئات المجتمع.
فالصلح مع النفس، والإنفتاح على الآخر مع احترام خصوصياته في مجتمع متعدد، والحرص على دوام التواصل والتعاون والتكامل معه مهما كان مختلفًا بحُسنِ خُلقٍ وأفضل أداء لهو السبيل.. بل السبيل الأوحد الذى لا مفر منه لمن رغب في رغد وطيب الحياة.

وفي النهاية معاً وبالجميع تصبح السويد%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%8a%d8%afopinion أفضل.

طاهر أبو جبل

الحقوق محفوظة: عند النقل أو الاستخدام يرجى ذكر المصدر

الكومبس © 2023. All rights reserved