الكومبس –
تحقيقات: العديد من القادمين الجدد الى السويد، الذين يتركون بلدانهم، هرباً من
الأزمات والحروب، يكادون لا يصدقون الواقع الذي ينتظرهم، في مجال السكن.

فعندما يكتشفون أن الصورة التي رسموها في خيالهم
عن المكان الذي سوف يسكنون فيه مؤقتاً، ليست فقط بعيدة عن الواقع، وانما قد تكون
أسوأ من المكان الذي كانوا يعيشون فيه، تبدأ الصدمة الأولية بالتفاعل والتفاقم،
وتزيد من تدهور الأوضاع النفسية، وتخلق وضعّاً صعبّا للغاية لدى العائلة، خصوصا
إذا كان عدد أفرادها كبيراً.

يحدث هذا في ظل
استمرار أزمة السكن في السويد، وامتناع العديد من البلديات على الاستمرار في تنفيذ
التزاماتها تجاه الحكومة في توفير السكن الملائم للقادمين الجدد.

قد تكون قصة
عائلة مالك جمول واحدة من القصص التي تدخل في هذا الإطار:

مالك: يسكن مع
عائلته الكبيرة في غرفتين صغيرتين

مالك جمول،
عامل بناء سوري من مدينة حمص، في الـ 43 من عمره، جاء إلى السويد رفقة زوجته وأبناءه
السبعة بتاريخ 18 يوليو/ تموز 2018، عبر مفوضية الأمم المتحدة بلبنان، فراراً من
الحرب في بلاده.

استقر بهم
المقام في فندق معد لاستقبال الوافدين الجدد بمدينة مولّيكا القريبة من مدينة
يوتوبوري السويدية، ونظراً لكثرة عدد أفراد عائلته المؤلفة من أولاد وبنات جاوز
بعضهم سن البلوغ، وجد مالك نفسه مضطراً إلى استئجار حجرتين في ذاك الفندق الذي
تتراوح قيمة إيجار الواحدة منها ما بين 7500 إلى 8000 كرون سويدي شهرياً ما شكل
عبئاً مادياً ثقيلاً على كاهله، كما فوجئ حسب تعبيره برداءة الوجبات الغذائية التي
يقدمها الفندق، حتى كان كثيراً ما يفضل هو وأفراد عائلته البقاء دون طعام على
تناوله لعدم سماح قوانين الفندق للمقيمين فيه بالطهي داخل الحجرات، غير أنه لم
يجرؤ على الاعتراض أو الاحتجاج خوفاً من اتخاذ إجراء تأديبي في حقه يحول دون نقله
إلى سكن ثابت ومستقل في وقت قريب وفق اعتقاده.

الانتقال لسكن
جديد

بعد شهر ونصف
الشهر تقريباً، عجز خلالها الأشخاص المسؤولون عن ملف عائلته في إيجاد سكن لهم، علم
بصدور قرار يقضي بانتقالهم للسكن مع أربع عائلات وافدة أخرى من جنسيات مختلفة،
يتراوح عدد أفراد كل واحدة منها بين 6 إلى 7 أشخاص، داخل مبنى روضة أطفال قديمة في
ذات المدينة، كان نصيب عائلة جمول منها حجرتان صغيرتان، لا تزيد مساحة كل واحدة
منها متران ونصف المتر طولاً ومثلها عرضاً.

عن مقر سكنه
هذا يحكي مالك لـ الكومبس قائلاً: “موقع المبنى قريب جداً من إحدى
البحيرات، وحين يحل فصل الشتاء يصبح المكان بارداً بشكل لا يحتمل، وبرغم ذلك
تتجاهل البلدية طلباتنا بتشغيل التدفئة، ناهيك عن معاناتنا اليومية مع مشكلة
الطاقة الكهربائية التي تنفصل تلقائياً
فور تشغيل عدة أجهزة كهربائية عليها في ذات الوقت، لهذا تضطر زوجتي إلا
السير مسافات طويلة لطهو طعامنا في منزل أحد أصدقائنا القاطنين بنفس المدينة، أما
أنا فأتعمد مغادرة السكن أغلب ساعات النهار ليتسنى لي الراحة قليلاً من تأثير
الضيق والضوضاء”.

مسؤولي قال لي
“ما كان عليك إنجاب كل هذا العدد من الأطفال”

ويضيف مالك: “منذ شهر ونصف الشهر تقريباً
رزقنا بطفلة جديدة، لكن الولادة لم تسر بالشكل الطبيعي واضطرت زوجتي للخضوع إلى
جراحة قيصرية، واليوم أصبحنا عشرة أفراد، بيننا رضيعة وأم نفساء خضعت مؤخراً
لجراحة، نقطن ذات المكان بكل ظروفه المخالفة للمعايير الصحية والإنسانية، وكانت من
نتائج ذلك إصابة زوجتي بالربو ومشاكل في التنفس، ولما شكوت سوء أحوالي لمسؤولي
أجابني بأنه ما كان على إنجاب هذا العدد من العيال ما دمت عاجزاً عن تدبير
أمورهم”.

بعد سنة
تقريباً تلقى مالك اتصالاً من الشخص المسؤول عن ملف عائلته يبلغه بضرورة إخلاء
سكنه الحالي قبل الخامس عشر من أكتوبر القادم ليجري نقلهم للعيش مجدداً في ذات
الفندق الذي أقاموا فيه سابقاً لعدم تمكن البلدية من توفير مساكن أخرى بديلة لهم.

احتج مالك وبقية العائلات المجاورة على القرار
بدعوى أنهم احتملوا كل ما مضى أملاً في فرزهم مستقبلاً إلى مساكن مستقلة ودائمة،
لا للعودة مرة أخرى إلى نفس الفندق حيث سيتم إبقائهم هناك إلى أجل غير مسمى، إضافة
إلى عدم مقدرتهم مادياً على تحمل تكاليف إيجار حجراته.

ويختم مالك
حديثه عند هذه النقطة قائلاً: “بعد شكوانا التي تقدمنا بها إلى البلدية
معربين عن رفضنا لفكرة إعادتنا لنفس الفندق، جاءت النتائج عكسية، وتلقيت اتصالاً
أخر من مسؤولي ينذرنا فيه بضرورة إخلاء المدرسة خلال عشرة أيام فقط. بناء على ذلك
قررت أني لن أبرح مكاني، ولن أوقع على أي قرارات بالإخلاء حتى يتم توفير سكن مستقل
وملائم لوضع عائلتي”.

عمر سويدان